ووموضات الإصلاح في القرآن كثيرة .. ولئن وقفنا مع هذه الآيات القليلات من جزءٍ من قصة شعيب عليه السلام ؛ فإنما وراء ذلك أكثر وأظهر ، ولنا عنه أحاديث لاحقة - إن شاء الله - غير أني أورد هنا ما ذكره ابن كثيرٍ في تفسيره لهذه الآيات ؛ لما له من دلالةٍ مهمةٍ عندما روى حديث عن أبي حميدٍ وأبي أسيدٍ رضي الله عنهما عنن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين به أشعاركم وأبشاركم ، وترون أنه قريب منكم فأنا أولاكم به ، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه بعيد منكم فأنا أبعدكم منه ) رواه الإمام أحمد في إسنادٍ صحيحٍ كما ذكره ابن كثير .
وسياق هذا الحديث في هذه الآيات دلالة على مسألةٍ مهمة:
إن دعوة الإصلاح ترتبط بالداعي إليها ، فإذا نظرنا إلى الداعي وأحواله فغلبت أحوال الخير عليه ، فلم نعرفه إلا من أهل الصلاح والتقى ولم نعرف له من المواقف إلا مواقف الخير والإصلاح ، ولم نسمع له من الكلمات إلا كلمات البر والإحسان ، ولم نرى له من الأفعال إلا أفعال النجدة والإغاثة والإصلاح ، فحينئذٍ قد جاء الشيء من معدنه فنقبله ، أما إن كانت الأخرى ؛ فإن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى ذلك .
إن كان ما نراه ونسمعه من دعوةٍ للإصلاح بتاريخٍ نعمله على غير الإصلاح في أقوالٍ وأفعالٍ وأحوالٍ وعلاقات ، فينبغي أن لا يضرنا حسن القول ، وننسى مثل هذه القاعدة المهمة على أن حسن الظن - وهو مطلوب من المسلم والمسلمين جميعاً - لا ينبغي أن يكون نوع من الغفلة والسجادة التي تضيع بها المصالح ؛ فإن الأمور تنتظم أوائلها مع أواخرها ، وتدل أواخرها على أوائلها ، وهذه مسألة مهمة ، وثمة ومضاتٍ كثيرةٍ لا يتسع لها المقام أذكر بعضاً منها ؛ ليكون لنا عنه حديث آخر بإذن الله عز وجل .
أول ذلك: أن التوفيق الرباني مقرون بالدعوة الإصلاحية بإذن الله
فالإصلاح قرين هذا التوفيق ، كما قال عز وجل في شأن الخلاف بين الزوجين والإصلاح بينهما: { إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما } ، أي إن صلحت وخلصت النية للإصلاح جرى بإذن الله عز وجل التوفيق .
ثانياً: دعوة الإصلاح كذلك لها أثر مهم في الأمن والأمان من الهلاك
قال تعالى: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيةٍ ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين * وما كان ربك ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون } ، لم يقل صالحون بل مصلحون !
إذا كان الصلاح والإصلاح في الأمة ساريا ، فذلك من أسباب درء العذاب عنها بإذنه جل وعلا .
والأساس الأول هو الارتباط بالله كما قال الحق جل وعلا: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم * والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم } .
قال ابن كثيرٍ في نقله عن المفسرين:"أصلح بالهم ، أي شأنهم أو حالهم أو أمرهم".
وقال السعدي:"أصلح دينهم ودنياهم وقلوبهم وأعمالهم ، وأصلح ثوابهم بتنميته وتزكيةٍ وأصلح جميع أحوالهم".
نسأل الله عز وجل أن يصلح أحوالنا ، وأن يصلح قلوبنا ونفوسنا ، وأن يرشد عقولنا وأفكارنا ..