فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن الله تعالى جبل بني آدم بل وسائر المخلوقات على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر، كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط؛ ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة، بل إن الآدمي إذا عاشر نوعا من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه؛ ولهذا صار الخيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة والوقار في أهل الغنم، وصار الجمالون البغالون فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق الجمال والبغال، وصار الحيوان الإنسي، فيه بعض أخلاق الناس، من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة.
وإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم؛ لأن المشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة، على وجه المسارقة والتدرج الخفي، وهذا ما يشهد به الواقع، فضلا عن بيان الشرع وموافقة العقل، وقديما قيل: (الطيور على أشكالها تقع) ، وهذا مثل صحيح، يوافق سنة الله في خلقه، وصدق رسول الله حيث يقول: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) )رواه أحمد وأبو داود (5) [5] .
قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: وقد رأينا اليهود والنصارى، الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفرا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى، هم أقل إيمانا من غيرهم ممن جرد الإسلام.
عباد الله، إن التشبه بأهل الكفر والشرك في أزيائهم وعاداتهم وأحكامهم وسياساتهم واقتصادهم قد جرى في كثير من أوساط المسلمين جريان الدم في العروق، وسرى سريان النار في يابس الحطب، بل ولربما صار المتفرنج المحاكي موضع إجلال الدهماء وإكبارهم، يحتذيه لهازم الناس وأغرارهم، حتى يساير ذلك كله الغوغاء من أبناء هذه الأيام، مترفهم ومثقفهم، بل وحتى من كان على فراش الإملاق منهم. أفٍّ للتقليد والتبعية! ما أثقل أغلالهما! وما أشد عتمة مسالكهما! وما أبخس صفقة الذين لا يتزحزحون عنها!
نعم، أف ثم أف، للتقليد ومسايرات الغرب! فكم أوقفت بعض الأجيال في سجون ضيقة مظلمة، من التبعية الماحقة، وحجبت عنهم أنواع التفكر والتبصر والعزة، وغممت عليهم مطالع السعادة الحقيقية للنفوس.
أف ثم أف للتقليد والتبعيات! فهي قاطعة الطريق على نتائج العقول، تزج بها في مهاوي العدم، أو تذرها في سجن أقفر، ممنوعا عنها كل ما يحييها.
إن الأمة المسلمة يجب أن تكون متبوعة لا تابعة، وقائدة لا منقادة، ويجب ألا تغتر بما تراه من زخرف الحياة في أمة تقطعت روابطها، وانفصمت عراها وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْواجاً مّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحياةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:131] .
وإن حضارة الغرب، كالسراب، الذي يرى في القيعان من الأرض عن بعد، كأنه بحر طام وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْانُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور:39] .
ألا فليعلم الضعفاء والمغفلون منا، الذين يحاولون في تبعيتهم أن يؤلفوا الأمة على خلق جديد، ينتزعونه من المدنية الغربية، ألا فليعلموا أن الخلق الطارئ لا يرسخ بمقدار ما يفسد من الأخلاق الراسخة، وإذا كان البعض يشعر في قرارة نفسه أنه لابد للأمة في نهضتها من أن تتغير، فإن رجوعنا إلى كتاب ربنا وسنة نبينا ، أعظم ما يصلح لنا من التغير، وما نصلح به منه إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ [الرعد:11] .
إننا إذا أخذنا في أسباب القوة، وتمثلت فينا الأخلاق المتينة، من الإرادة والتقوى والإقدام، والحمية الإسلامية، وإذا جعلنا لنا صبغة خاصة تميزنا عن سوانا، وتدل على أننا أهل دين وخلق، إذا كان ذلك كله، فلعمر الله، أي ضير في ذلك كله، وهل تلك إلا الأخلاق الإسلامية الحقة، وهل في الأرض نهضة ثابتة تقوم على غيرها صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ [البقرة:138] . أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَماً وَهُوَ الَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً [الأنعام:114] .
وأما أن نأخذ من الغرب الكافر عادات وطبائع أجنبية عن ديننا، فلنتذكر أن الإسلام إسلام، وأن الكفر كفر، وأن القوم في نصف الأرض، ونحن في نصفها الآخر، ولقد كنا سادة قبل أن كانت هذه العادات الغربية التي رأينا فيها ومن أثرها في المجتمعات المسلمة الحرة ما أفسد رجولة بعض رجالها وأنوثة بعض نسائها خاصة، لأنهن يندفعن اندفاعا محموما وراء المجهول، في حلبة التقليد الأعمى، لقد راعهن من الغرب بريق مصانعه وطرافة منتجاته، فرضين بالسير وراء الهابطات من نسائه، حتى أصبحن لا يرضين عن أثوابهن إلا بمقدار انطباقها على نماذجهن، الواردات في أزياء نساء الغرب وأشباههن، فإذا رأيت ثوب إحداهن كاسيا يستر بعض العورة، فاعلم أنه صورة من ذلك الأنموذج الجديد. قال عنهن المصطفى: (( ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للب ذي اللب من إحداكن ) )رواه البخاري ومسلم (6) [6] .
ولما أنشده الأعشى أبياته التي يقول فيها: (( وهن شر غالب لمن غلب ) )جعل النبي يرددها ويقول: (( وهن شر غالب لمن غلب ) )رواه أحمد (7) [7] . ولذلك امتن الله على زكريا عليه السلام حيث قال: وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ [الأنبياء:90] . وقال: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَفِظَاتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34] .
أيها المسلمون، إن القيود التي يفرضها الدين على الإنسان، لا يريد بها عذابه ولا حرمانه، إنما يريد بها أن يرتفع بها من الحيوانية الهابطة، إلى الإنسانية الصاعدة، وبذلك ينتصر المسلم على التبعية التحررية، ويتغلب الإيمان والتقوى على الشهوة البَهَميَّة السبعية، وإن كل مجتمع يخرج على هذه القيود أو يهون من شأنها، فإنه يعرض نفسه للخطر ويقرب بها من حافة الهاوية وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229] .
ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين [القصص:50] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم…
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد:
فاتقوا الله ـ أيها المسلمون ـ واعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي، هدي محمد ، وشر الأمور ما أحدث على غير هدً من الله، أو سنة سنها محمد بن عبد الله، فلقد ـ نهى بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه ـ عن كل ما يفضي إلى مشابهة الكفار، حتى لقد قال اليهود عنه: (( ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه ) )رواه مسلم (8) [1] .
وقد نهى فيما رواه مسلم في صحيحه عن الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، ونهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعلل ذلك بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار (9) [2] .