مقدمة:
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد...
أيها الأخوة الكرام إن من الأمراض الفتاكة التي بدأ بدن الأمة الإسلامية يتآكل منها مرض الجرأة على الفُتيا في دين الله عز وجل لكل من هب ودب، فتساهل الناس في أمر دينهم، وانتهكوا حرمات الشريعة، وناولوا من قدسية دينهم أعظم النيل فلم يعد للقرآن والسنة مهابة في قلوب أولئك القوم فكان ما ترى من سهولة التلفظ بكلمة حرام وحلال، ويجوز ولا يجوز، وكفى بهذا المرض تبديلًا لأحكام الله وتغييرًا لشرائعه، ونزعًا لمهابة الوعظ القرآني، والزجر النبوي من صدور قوم ابتلوا بمثل هذا المرض...
ونسأل الله العافية لنا وللمسلمين جميعًا من القول على الله بغير علم. ومن هذا المنطلق قدمنا هذا البحث حتى نضع الأمور في نصابها، وتستقر الهيبة من القرآن والسنة في قلوبنا، وتعود إلينا مروءتنا بعد أن ضاعت بالجرأة على الفُتيا في دين الله. نسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناتنا، وأن يغفر به زلاتنا، والله الهادي إلى سواء السبيل.
أولًا: الزاجر القرآني في الجرأة على الفتيا:
يقول تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} (النحل:116) . يقول القرطبي: أي لما تصف ألسنتكم من الكذب وقرئ الكُذُبُ بضم الكاف والذال والباء نعتا للألسنة (( أي وصفًا ) )، وقرأ الحسن ( يقصد البصري ) الكذب بفتح الكاف وخفض الذال والباء نعتا لما، والتقدير ( ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب ) ، وقيل على البدل من ما أي: ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب. ج: 10 ص: 196 .
والآية خطاب للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب وأحلوا ما في بطون الأنعام، وإن كان ميتة. فقوله هذا حلال إشارة إلى ميتة بطون الأنعام، وكل ما أحلوه. وقوله: (( وهذا حرام ) )إشارة إلى البحائر والسوائب، وكل ما حرموه، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل أي ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عن قريب. تفسير القرطبي ج: 10 ص: 196.
قال ابن القاسم: هو نعت الألسنة، وهو جمع كذوب.قال المفسرون: والمعنى أن تحليلكم وتحريمكم ليس له معنى إلا الكذب، والإشارة بقوله هذا حلال وهذا حرام إلى ما كانوا يحلون ويحرمون لتفتروا على الله الكذب، وذلك أنهم كانوا ينسبون ذلك التحليل والتحريم إلى الله تعالى ويقولون هو أمرنا بهذا. زاد المسير ج: 4 ص: 502.
وقال صاحب فتح القدير: قرأ الحسن بفتح الكاف وكسر الذال والباء نعتا لما، وقيل على البدل من ما، أي ولا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام، واللام في لتفتروا على الله الكذب هي لام العاقبة لا لام العرض، أي فيتعقب ذلك افتراؤكم على الله الكذب بالتحليل والتحريم وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه. ثم يستطرد قائلًا: وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل: (( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرامإلى آخر الآية ) )فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا.
قلت: صدق رحمه الله فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وآله سلم، كما يقع كثيرًا من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة، وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله، ولا هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا هم ومن يستفتيهم،كما قال القائل: كبهيمة عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الجائر .فتح القدير ج: 3ص:201 . يقول تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} (الإسراء:36) . قال ابن منظور: قال الفراء:أكثر القراء يجعلونها من قفوت كما تقول لا تدع من دعوت قال: وقرأ بعضهم ولا تقف مثل:ولا تقل. وقال الأخفش: في قوله تعالى: (( ولا تقف ما ليس لك به علم ) )أي لا تتبع ما لا تعلم، وقيل: ولا تقل سمعت ولم تسمع ولا رأيت ولم تر ولا علمت ولم تعلم (( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) )... لسان العرب ج: 15 ص: 194.
يقول الزرقاني: الناظر في تاريخ الصحابة يروعه ما يعرفه عنهم في تثبتهم أكثر مما يروعه عنهم في حفظهم لأن التثبت فضيلة ترجع إلى الأمانة الكاملة والعقل الناضج من ناحية، ثم هو في الصحابة بلغ القمة من ناحية أخرى، إذ كان تثبتا بالغا وحذرا دقيقا وحيطة نادرة وتحريا عميقا لكتاب الله تعالى وهدى رسوله في كل ما يتصل بهما عن قرب أو بعد. مناهل العرفان ج: 1 ص: 219 . وكذلك نهى الله عن اتباع ما لا دليل عليه إلا أن تسمع الأذن أو ترى العين أو يعتقد القلب عن برهان، فقال عز من قائل: { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } وقد عاب القرآن على من يأخذون بالظن فيما لا يكفي فيه الظن، فقال الله جل شأنه { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا } ... مناهل العرفان ج: 1 ص: 220
وقال السيوطي: أخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"عسى رجل أن يقول إن الله أمر بكذا، ونهى عن كذا، فيقول الله عز وجل له: كذبت. ويقول إن الله حرم كذا، وأحل كذا، فيقول الله عز وجل له:كذبت".... الدر المنثور ج: 5 ص: 175. وعن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم ( النخعي ) قط يقول: حلال ولا حرام ولكن يقول كانوا يكرهون وكانوا يستحبون... تفسير القرطبي ج: 10 ص: 196.
وقال ابن وهب: قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولوا إياكم كذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا.. ومعنى هذا أن التحليل والتحريم إنما هو لله عز وجل، وليس لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان إلا أن يكون البارئ تعالى يخبر بذلك عنه، وما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول: إني أكره كذا وكذلك، وكان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى... تفسير القرطبي ج: 10 ص: 196.
ثانيًا: الزواجر النبوية في الجرأة على الفُتيا:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) ). البخاري ومسلم. وكل أهل السنن تقريبًا. ومعلوم إن هذا الحديث من الأحاديث المتواترة، قال النووي: ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة إلا هذا، ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيًا إلا هذا, وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة ثم لم يزل في ازدياد وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما من حديث علي والزبير وأنس وأبي هريرة وغيرهم. والله أعلم. شرح مسلم.