فهرس الكتاب

الصفحة 1736 من 9994

وقد روي عنه أنه قال في معرض التحذير من ذلك، وبيان عاقبته على صاحبه: (( والذين نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به ) ) [رواه الطبراني وغيره] [5] .

وكم من المجتمعات المسلمة - يا عباد الله - من طغى عليهم حب الدنيا؛ فاستجابوا لداعي الهوى، والنفس الأمارة بالسوء والفحشاء؛ حتى أدى بهم ذلك إلى شرب المسكرات، وتعاطي المخدرات، واقتراف الفواحش والمنكرات، يساعد على ذلك ويذكيه في نفوسهم واقع الإعلام المعاصر، وما تبثه وسائل الاتصال وكثير من القنوات، مما فيه تزيين للباطل، وإغراء بالفتنة، وخروج على القيم والفضيلة؛ حتى غدا كثير من المسلمين - ولا سيما الناشئة - محاكين للأعداء في كثير من أنماط حياتهم وسلوكهم، حتى صدق على كثير منهم قول الحق جل وعلا: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً [مريم:59] .

وما أوقعهم في ذلك إلا طغيان حب الدنيا على نفوسهم حتى آثروها على الآخرة.

وهذا الداء - يا عباد الله - هو الذي أودى بأمة الإسلام في عصورها المتأخرة إلى ما هي عليه الآن من ضعف وهوان، وتفرق ونزاع؛ حتى تحكم الأعداء في كثير من قضاياها، واستحوذوا على كثير من خيراتها، واستولوا على بعض بلادها، وساموا بعض الشعوب المسلمة سوء العذاب، وألحقوا بهم أصنافاً من النكال.

وإن ما يحدث الآن على أيدي اليهود الغاصبين، والشرذمة المفسدين، ضد إخواننا المستضعفين في الأرض المباركة فلسطين، من عدوان أثيم على الأنفس والأموال والحرمات، وتدنيس المقدسات - ولا سيما المسجد الأقصى المبارك - أولى القبلتين، وثالث المسجدين الشريفين: إنما مرده ما عليه حال كثيرين من أمة الإسلام من إقبال على الدنيا، وزهد في الآخرة وإعراض عن طاعة الله ورسوله؛ حتى ابتلوا بهؤلاء الأعداء الحاقدين، ومن شايعهم من الكفرة الظالمين، الذين استهانوا بالمسلمين، واسترخصوا دماءهم وحرماتهم، وهذا مصداق لما أخبر عن وقوعه في الأمة، حين تقبل على الدنيا، وتخلد إليها، ويضعف تمسكها بدين الله، وتدع الجهاد في سبيل الله، حيث قال: (( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ) ) [رواه أبو داود وغيره] [6] .

وروى الإمام أحمد وأبو داود أن رسول الله قال: (( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصتعها، قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاءً كغثاء السيل، تنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن، قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ) ) [7] .

فلتحذروا - عباد الله - من التمادي في الغفلة والإعراض عن الله، وإيثار الحياة الدنيا على الآخرة، فلقد ندد الحق جل وعلا بالغافلين، وأشاد بالمتقين الذين جانبوا هوى النفس، وعملوا للدار الآخرة، فقال سبحانه مبيناً حال كل فريق وجزاءه: فَأَمَّا مَن طَغَى وَءاثَرَ الْحياةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى [النازعات:37-41] .

فاتقوا الله - عباد الله - ولا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6] .

نفعني الله وإياكم بالقرآن الكريم، وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

[1] صحيح مسلم (2742) .

[2] سنن الترمذي (2320) .

[3] مسند الإمام أحمد (1/329) ، ورواه الترمذي من حديث المستورد بن شداد (2321) وقال: حسن.

[4] سنن الترمذي (2376) .

[5] الأوسط للطبراني (7/255) ، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (1071) .

[6] رواه الإمام أحمد (2/28) ، وأبو داود (3462) ، وصححه الألباني بمجموع طرقه (السلسلة الصحيحة:11) .

[7] رواه الإمام أحمد (5/278) ، وأبو داود (4297) ، وصححه الألباني بمجموع طرقه (السلسلة الصحيحة: 958) .

الخطبة الثانية

الحمد لله على ترادف آلائه ونعمائه، والشكر له على سابغ فضله وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه سبحانه، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت