فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
والجهاد ليس دعوة لحياة الأفراد فحسب، بل دعوة لحياة المجتمعات والأمم؛ لأنه باهتدائها تمتنع أسباب انهيارها وهلاكها وزوالها؛ فعن زينب بنت جحش ـ رضي الله تعالى عنها ـ زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل عليها فَزِعاً يقول: «لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شر قد اقترب! فُتِحَ اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه. وحلَّق بإصبعه الإبهام والتي تليها. قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم! إذا كثر الخَبَث» (5) ، فكثرة الخبث مُؤْذِنة بهلاك المجتمعات ودمارها حتى وإن كان فيها صالحون، وإنما يقلُّ الخبث في المجتمعات وينقص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أحد صور الجهاد.
والجهاد دعوة للحياة في كِلا نوعي الجهاد: جهاد الطلب، وجهاد الدَّفْع. فجهاد الطلب يُنقِذ الكفار من كفرهم، ويهديهم ـ بإذن ربهم ـ إلى الحياة الحقيقية، وجهاد الدفع ينقذ المسلمين من كفر الكافرين؛ فالكفار إذا غزوا المسلمين في ديارهم فإما أن يقتلوهم وإما أن يردُّوهم عن دينهم، وكِلا الأمرين موت، وقد تناهى إلى أسماعنا ما حدث من مقتل أكثر من مائة ألف من العراقيين عندما غزت أمريكا وبريطانيا ديارهم. قال الله ـ تعالى ـ: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217] فالدعوة إلى جهادهم في كِلا الحالين: الطلب والدفع، دعوة للحياة.
وفي الجهاد دعوة للحياة وإطالة عمر الدنيا؛ فبدوام الجهاد تظل الطائفة المنصورة باقية، ووجود المؤمنين أمان من هلاك الدنيا ودمارها؛ فإذا تغلب الكفار على العالم وطبَّق الكفر الأرض كلها؛ فقد حان قيام القيامة ودنت الساعة؛ فبقاء الدنيا رهين بوجود من يعبد الله، حتى إذا لم يوجد من يعبد الله ـ تعالى ـ ويقول: «الله الله» قامت القيامة. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله» (1) ، وكون الجهاد مع ما يوجد فيه من القتال دعوة للحياة؛ فهذا من عظيم تقدير الله وحكمته الذي جعل في الموت طريقاً وسبيلاً للحياة.
2 ـ ومن أسباب تفضيل الجهاد كونه طريقاً لبقاء الدين محفوظاً من التغيير والتبديل: فلولا الجهاد في سبيل الله لتصدع بنيان الدين وتهدمت أركانه، وهذا الأصل تبينه سُنَّة الله ـ تعالى ـ في المدافعة. قال الله ـ تعالى ـ: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] ، وقال: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] ، وقد بين القرآن أن الجهاد يتحقق به جعل الدين كله لله، قال الله ـ تعالى ـ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39] ؛ ولهذا يقول الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتِلُ عليه عصابةٌ من المسلمين حتى تقوم الساعة» (2) .
3 ـ نصرة المستضعفين وإخراجهم من إذلال الظالمين: الجهاد في الإسلام فريضة دينية، وهو في الوقت نفسه عمل أخلاقي أصيل؛ فهو ليس عملاً للمغنم أو السيطرة بالباطل أو العلو في الأرض بغير الحق، وليس رغبة في احتلال أراضي الناس وسرقة خيرات بلادهم، وإنما هو جهاد في سبيل نصرة المستضعفين وحمايتهم وإنقاذهم من ظلم الظالمين وبطش المعتدين، فإن كان هؤلاء المستضعفون من المسلمين فقد جاءهم بهذه النصرة العز والتمكين والتأييد، وإن كان المستضعفون من الكافرين؛ فقد أزيل عنهم بطش الظالمين وسلطان المتجبرين الذين يصدونهم عن معرفة الحق والاهتداء به، ثم لا يجبرهم المسلمون بعد ذلك على الإسلام فإنه: {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] وإنما يبينون لهم الحق ويدعونهم إلى اتباعه؛ فمن شاء منهم الإيمان آمن، ومن رفض تُرك ودينَه وأَمِن على ماله ونفسه وعرضه.
وهذه شهادات التاريخ ومدوَّناته قائمة موجودة ليس فيها حالة إكراه على دخول الدين، ثم الواقع أيضاً شاهد على ذلك؛ فلو كان الناس يُكْرَهون على الدخول في دين الإسلام بعد فتح البلدان لتحولت شعوب البلدان المفتوحة إلى الإسلام، ولم نجد في بلاد المسلمين يهودياً أو نصرانياً، ولا شك أن وجود أهل الكتاب من اليهود والنصارى في بلاد المسلمين منذ بدأ الإسلام إلى يومنا هذا لهو الدليل الواقعي الذي لا يمكن جحده على أنه لم يكن هناك إكراه في الدين. لقد كان الجهاد لمنع إكراه الكفار على البقاء على الكفر من قِبَل أنظمتهم الظالمة، وليس على إكراههم على الدخول في دين الإسلام.