فهرس الكتاب

الصفحة 1772 من 9994

ومن هنا فإنه قد يظهر من صاحب البدعة اجتهادٌ في العمل والعبادة، وما هذا إلا لخفة يجدها، ونشاطٍ يشعر به لما فيه من موافقة الهوى. ولقد كان الرهبان من النصارى ينقطعون في صوامعهم وأديرتهم على غير طريق الحق وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ [الغاشية:2، 3] . قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِالاْخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحياةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103، 104] . أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8] .

وإنَّ قصداً في السنة خير من اجتهاد في بدعة.

وبسبب البدع وأهلها - أيها المؤمنون - يكثر الجدل بغير الحق، وبغير التي هي أحسن، وتحصل الخصومة في الدين. وقد قال قتادة رحمه الله في قوله تعالى: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَاتُ [آل عمران:105] . قال: هم أهل البدع.

وقال بعض أهل العلم: كل مسألة حدثت في الإسلام واختلف الناس فيها، ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة؛ فهي من مسائل الإسلام.

وكل مسألة حدثت أو طرأت؛ فأوجبت العداوة والبغضاء والتدابر والقطيعة ليست من أمر الدين في شيء.

وأصحاب البدع يتبعون المتشابه، ويتعسفون في التأويل حتى فسِّر قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] . بأنهم أهل البدع والأهواء.

وحينما قال أهل التحكيم لعليٍّ رضي الله عنه: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ [الأنعام:57] . قال: كلمةُ حقٍّ أريد بها باطل.

وقد تأكد في الأخبار النبوية أنه ما قامت بدعة إلا وأميتت سنة.

أخرج أحمد والبزار من حديث غضيف بن الحارث مرفوعاً: (( ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة، فتمسكٌ بسنةٍ خير من إحداث بدعة ) ) [4] .

وأخرج أحمد أيضاً والطبراني والبزار من حديث غضيف عن النبي أنه قال: (( ما من أمة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة ) ) [5] ، فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا أن في ظهور البدع انطماساً للسنن، فالسعيد من عضَّ على السنة بالنواجذ، فأحياها ودعا إليها، فردَّ الله بها مبتدعاً، وهدى بها زائغاً وأنقذ بها حائراً.

كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى عدي بن أرطاة بشأن بعض القدرية: (أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه ، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت به سنة، فعليك بلزوم السنة، فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارضَ لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصرٍ نافذٍ كفوا، وهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضلٍ كانوا فيه أحرى، إنهم هم السابقون، تكلَّموا بما يكفي، وصفوا ما يشفي، فما دونهم مقصِّر، وما فوقهم محسِّر، لقد قصَّر فيهم قوم فجفَوا، وتجاوز آخرون فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم) [6] .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً [الأحزاب:36] .

[1] صحيح، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه: كتاب الجامع - باب القدر، حديث (20100) ، وابن أبي شيبة: كتاب الزهد - باب ما ذكر عن نبينا في الزهد (8/129) ، والطبراني في المعجم الكبير، حديث (1647) ، قال الهيثمي في المجمع: ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو ثقة (8/264) .

[2] صحيح، أخرجه مسلم: كتاب الأقضية - باب نقض الأحكام الباطلة... حديث (1718) .

[3] صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الصلح - باب إذا اصطلحوا على صلح جور... حديث (2697) ، ومسلم: كتاب الأقضية - باب نقض الأحكام الباطلة... حديث (1718) .

[4] ضعيف، مسند أحمد (4/105) ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم وهو منكر الحديث (1/188) ، قلت: وفيه أيضاً بقية بن الوليد مدلس وقد عنعن. وانظر صلاح المساجد من البدع والعوائد للقاسمي بتعليق الألباني (ص49) ، ولم أجده في المطبوع من مسند البزار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت