فهرس الكتاب

الصفحة 1786 من 9994

#اختبار المؤمن

الفتن

عبد الله بن محمد بن زاحم

المدينة المنورة

المسجد النبوي

ملخص الخطبة

1-كل شيء إنما تظهر جودته إذا اختبر 2- الابتلاء اختبار لإيمان المؤمن 3- ماذا يصنع المسلم إذا أصيب بالمصيبة 4- لماذا يُبتلى الإنسان في الدنيا 5- جزاء الصبر في الدنيا والآخرة

الخطبة الأولى

أما بعد، فأوصيكم وإياي بتقوى الله ـ تعالى ـ، فلا سعادة ولا صلاح إلا بالتقوى.

عباد الله: إذا أراد الإنسان أن يشتري مصاغاً من الجواهر، ذهب به إلى المختبر ليتأكد من جودته وسلامته من الغش، فإذا كان مغشوشاً لم يقبله. وإذا أراد الإنسان أن يلتحق بالوظيفة أرسل للمختبر الصحي للتأكد من لياقته طبياً للخدمة، وإذا لم يصلح لم يوظف. وإذا دخل الطالب في سلك المدرسة اختبر لمعرفة نشاطه وحرصه على العلم والتحصيل، فإذا لم ينجح أدى الأمر إلى طرده من المدرسة، أفلا يختبر من أراد دخول الجنة؟!

وأمامنا اختبار أهم من اختبارات الدنيا، اختبار عام شامل، فيه نجاح وتفوق وقبول، وفيه رسوب وطرد، وإبعاد، وأسئلته مقدمة قبله مفتوحة معلومة للناس، حرصاً من المختبر على النجاح رحمة بالحريصين على السبق، وكأني بسائل يسأل: ما هو موضوع هذا الاختبار؟ وما هي درجة النجاح؟ وما فائدته وثمرته؟.

فأما موضوع الاختبار فهو الإيمان. كما قال ـ تبارك وتعالى ـ: بسم الله الرحمن الرحيم: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1، 2] .

وأما الأسئلة فهي المذكورة في قوله ـ سبحانه ـ: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الاْمَوَالِ وَالاْنفُسِ وَالثَّمَراتِ [البقرة:155] .

وقوله: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] . فأخبر قبل وقوعها بأنها اختبار وابتلاء وامتحان.

وأما مكان الاختبار، فهو هذه الحياة الدنيا، فما دام الإنسان حياً فيها فهو تحت الاختبار، فيأخذ حذره واستعداده.

وأما أسباب النجاح فهي المذكورة في قوله ـ تعالى ـ: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصلاةِ [البقرة:153] .

وقوله: وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعون [البقرة:155، 156] . فالصبر والصلاة وتفويض الأمر لله وشكر النعمة هي أسباب النجاح.

وأما تقدير النجاح فهي قوله ـ تعالى ـ: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صلاتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:157] .

أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صلاتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ تقدير ممتاز.

وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ درجة الشرف الأولى.

قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله: قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -: نعم العدلان ونعمت العلاوة: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صلاتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ فهذان العدلان: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ فهذه العلاوة. أعطوا ثوابهم وزيدوا عليه أيضا.

وأما فائدة الاختبار، فكما قال ـ سبحانه ـ: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3] . وقوله: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت:11] ، لمعرفة القلوب الطيبة النظيفة المستنيرة بنور الإيمان التي تصلح لتحمل أمانة الله والعمل بها وتبليغ رسالة نبيه - - والدعوة إليها.

وأما ثمرته فالاختبار كسب درجة عالية في الإيمان، والحث على تطهير النفس، وإزالة الغشاوة عن العيون وإزالة الران عن القلوب، كما يمحو السيئات، ويشد العزائم، ويصفي العقائد، ويقوي الصلة بالله، فيكون المؤمن طاهراً نقيا، مؤهلاً لأن يكون في خدمة الله ومن حزب الله، من أولياء الله، من المقربين إلى الله، فمن كان مع الله وصبر على بلاء الله، وشكر نعم الله، كان الله معه يوفقه، ويسدده ويحفظه، ويوجهه لكل خير، ويصرفه عن كل شر، ينير الطريق أمامه، وهذه حال المؤمن الحقيقي، المؤمن الصادق.

قال: (( عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ) ) [رواه مسلم] [1] . خير عام شامل في أمور الدين والدنيا، هذا له في هذه الدنيا.

أما الآخرة. فكما قال ـ سبحانه ـ: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] ، لا يقدر له قدر، ولا يحد له أجر، إنما هو من فضل الجواد الواجد الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت