فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيا طلبة العلم، ويا أيها العلماء، ويا دعاة الإسلام: هذا وقت الأمر والنهي، من يأمر وينهى إن لم تأمروا وتنهوا؟ إنا لا ندعو لمضاربة الناس، ولا لشتمهم، ولا لجرح شعورهم، ولا للتشهير بهم، حاشا وكلا لكن ندعو إلى إنقاذ الناس من الضلالة ندعو إلى إنقاذ الناس من النار ندعو إلى أخذ الناس بمركب النجاه ندعو إلى الأخذ بحبل الله؛ بكلمة الحق في أي مكان، بالنصيحة في الشارع، بالقدوة الحسنة، بالزيارات، يقول محمد -صلى الله عليه وسلم-:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان."وفي رواية"ليس بعد ذلك حبة خردل من إيمان"وعن [عبادة بن الصامت] - رضي الله عنه وأرضاه- قال:"بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وأن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، ومنا من وفى بذلك؛ فأجره على الله"، ألا لا تأخذ المسلم في الله لومة لائم، يغضب مَنْ يغضب إذا رضي الله، ويسخط من يسخط إذا رضي الله، من أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عليه، وأرضى عليه الناس، والله إذا علم منك أنك تريد إرضاءه، أرضى عنك الناس، وحماك وسددك وكفاك وآواك، ألا فاحفظ الله يحفظك، واحفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف على الله في الرخاء، يعرفك في الشدة، صح عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"مثل القائم في حدود الله- أي الذي يأمر وينهى- والواقع فيها، كمثل قوم استهموا في سفينة، فكان قوم أعلاها، وقوم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على الذين في أعلاها، فظنوا أنهم آذوهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في الجانب السفلي لما آذينا الذين فوقنا"ثم قال- عليه الصلاة والسلام-:"فإذا تركوهم هلكوا، وهلكوا جميعًا، وإذا أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا."
وهذا مثل من يترك المفسدين الفجرة، الذين يلعبون بالأعراض والمبادئ والقيم، ويقول: نفسي نفسي، يصلي ويخرس كالشيطان الأخرس، من بيته إلى المسجد، ويرى الأمم، ويرى الأجيال، والشباب تائهين، ضائعين، حائرين، ثم لا يقول هذا هو الطريق ليبقى وديعًا، هادئ البال، مطمئنًا مرتاحًا، من كلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يرى الجرائم ولا يتكلم بكلمة، أما -والله- لو أن أحدنا أمر بأمر بسيط، أو نهى عن منكر في اليوم الواحد بالتي هي أحسن، لصلح حالنا، من ننتظر أن يصلح حالنا إذا ما لا أصلحنا؟ (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )
لكن يشترط فيمن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر شروط:
أولها: أن يكون أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، خالصًا لله، لا يبتغي الأجر إلا من الله، لا ليقال أمر ونهى؛ فإن الله سوف يرد عليه مقاصده، ولا يجعل لدعوته أثرًا ولا فائدة ولا نفعًا، وأن يكون ذا علم، وأن يكون ذا بصيرة وحكمة (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) وأن يكون عاملا بما يقول، وما أقبح من ينهى الناس، وهو واقع فيما ينهى عنه!، لن تقبل دعوته.
لا تنه عن خلقٍ وتأتيَ مثله *** عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
ابدأ بنفسك فانهها عن غَيِّها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
وأن تكون الدعوة بالتي هي أحسن؛ بالتحبب إلى القلوب، بشراء الأرواح، إن الذي يأتي ليغير منكرًا بمنكر، ما فعل شيئًا، بل أعان الشيطان على أخيه، إن من يجرح ويفضح الناس، ويشتم الناس، ويسب الناس، لن يجد أثرًا لدعوته، يقول [الإمام الشافعي] -وهو يعلن مبدأ عظيمًا من مبادئ الدعوة إلى الله-:
تعمدني بنُصحكَ في انفرادي *** وجَنِّبْنِي النَّصِيحةَ في الجماعة
فإن النصحَ بين الناسِ نوعٌ *** من التوبيخِ لا أرضى استماعَه
فإن خالفتني وعصيتَ أمري *** فلا تجزع إذا لم تُعْطَ طاعة