فهرس الكتاب

الصفحة 2054 من 9994

4 -تحريف الأدلة عن مواضعها، وهو نوع من تحريف الكلم عن مواضعه الذي ذمه الله- تعالى- في كتابه، وذلك بإيراد الدليل المقصود به مناط معين أو واقعة محددة لتطبيقه على مناط آخر - أو واقعة أخرى - وهي العملية التي تُسمَّى عند الأصوليين: (تحقيق المناط) ،ولاشكَّ أن (من أقر بالإسلام,ويذم تحريف الكلام عن مواضعه,لا يلجأ إليه صُراحاً إلا مع اشتباهٍ يعرض له وجهلٍ يصده عن الحق، مع هوىً يعميه عن أخذ الدليل مأخذه فيكون بذلك السبب مبتدعاً) .4.

ثانياً النقض الخاص: إن ما استدلت به المرجئة من أن الإيمان هو التصديق ليس بصحيح، والحق أن الإيمان اسم شرعي استعمله الشارع ليدل به على معاني محددة في الشرع، هي مجموعة الأقوال والأفعال التي يتركب منها، فلا مدخل للمعنى اللغوي إذ (مما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عُرِف تفسيرها وما أُريد بها من جهة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة وغيرهم) 5هذا إلا أن الإيمان لا يعني لغة التصديق من وجوه عدّة (فإنه يقال للمخبر إذا صدَّقْته: صدِّقْه، ولا يقال: آمِنْهُ وآمن به، بل يقال: آمن له، كما قال-تعالى-: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} 6 وقال: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} 7"فإن تعدى باللام كقوله: آمن له، كان تصديقاً وإن تعدى بالباء كان الإيمان الشرعي المتضمن للعمل"8.

"كذلك فإن قسيم الإيمان ليس التكذيب بل الكفر، فيُقال لمن لم يصدق: قد كذب،ومن لم يؤمن: قد كفر. ووجه آخر في لفظ التصديق والتكذيب: يُطلق على ما هو غائب أو مشاهَدٌ،"

أمَّا لفظُ الإيمان فلا يُستعمل إلا في الخبر عن الغيب"9."

والإسلام والإيمان اسمان يدلان على معنى واحد إن انفردا، وهو الاستسلام لله والعبودية له سبحانه ظاهراً وباطناً، لكنهما إن اجتمعا دلَّ كُلٌّ منهما على معنى غير الآخر، فدلَّ الإسلام على الأعمال الظاهرة من الصلاة والصوم والحج، ودلَّ الإيمان على الأعمال الباطنة، كالخشية والمحبة والخوف،من أعمال القلوب. وقد دلت الآياتُ والأحاديثُ على أنَّ الأعمال داخلة في مُسمَّى الإيمان - وعليه أجمعَ الصحابةُ والتابعون وسَلَفُ الأُمَّةِ - فهو: قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، قال-تعالى-: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} 10وما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة,قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) 11 . كذلك ما رواه مسلم بسنده عن ابن عباس في حديث وفد عبد القيس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدي خمساً من المغنم) 12 . فالإيمان - إذن - قول وعمل، قول القلب وهو: التصديق، وعمل القلب: وهو: الإقرار والخضوع المستلزم للمحبة والانقياد، وقول اللسان: وهو: النطق بالشهادتين، وعمل اللسان والجوارح، وهو العمل بالطاعات، وترك المحظورات من الشريعة والحمد لله رب العالمين.

1- (17) سورة يوسف.

2-أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة برقم (25، مسلم كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله برقم(31) .

3-أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب الدليل على أن مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً برقم (46) .

4-الاعتصام 1/223.

5-الإيمان لابن تيمية: 245 .

6 -سورة العنكبوت: 26.

7 -سورة يونس (83) .

8-الإيمان: 248 .

9-الإيمان: 249 .

10-سورة الفتح (4) .

11-أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها فضيلة برقم (51) .

12-أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان برقم (51) ومسلم كتاب الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله وشرائع الدين برقم (24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت