فهرس الكتاب

الصفحة 2067 من 9994

وردَّت الأقوال الثلاثة الأول بأن خديجة -رضي الله عنها- توفيت في رمضان سنة عشر من النبوة، وكانت وفاتها قبل أن تفرض الصلوات الخمس. ولا خلاف أن فرض الصلوات الخمس كان ليلة الإسراء.4

فلما رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من رحلته الميمونة أخبر قومه بذلك، فقال لهم في مجلس حضره المطعم بن عدي، وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة، فقال:"إني صليت الليلة العشاء في هذا المسجد، وصليت به الغداة، وأتيت فيما دون ذلك بيت المقدس، فنشر لي رهط من الأنبياء منهم إبراهيم، وموسى وعيسى، وصليت بهم وكلمتهم"فقال عمرو بن هشام كالمستهزئ به: صفهم لي، فقال:"أما عيسى، ففوق الربعة، ودون الطول عريض الصدر، ظاهر الدم، جعد أشعر تعلوه صُهْبَة5، كأنه عروة بن مسعود الثقفي. أما موسى فضخم آدم طوال، كأنه من رجال شنوءة، متراكب الأسنان، مقلص الشفة، خارج اللثة، عابس، وأما إبراهيم فوالله إنه لأشبه الناس بي، خَلقاً وخُلقاً"6.

فقالوا: يا محمد! فصف لنا بيت المقدس، قال:"دخلت ليلاً وخرجت منه ليلاً"فأتاه جبريل بصورته في جناحه، فجعل يقول:"باب منه كذا، في موضع كذا، وباب منه كذا، في موضع كذا".

ثم سألوه عن عيرهم، فقال لهم:"أتيت على عير بني فلان بالروحاء، قد أضلوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رحالهم ليس بها منهم أحد، وإذا قدح ماء فشربت منه، فاسألوهم عن ذلك"قالوا: هذه والإله آية:"ثم انتهيت إلى عير بني فلان، فنفرت مني الإبل، وبرك منها جمل أحمر، عليه جُوالِق7 مخطط ببياض، لا أدري أكسر البعير، أم لا، فاسألوهم عن ذلك"قالوا: هذه والإله آية"ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التنعيم، يقدمها جمل أورق8، وها هي تطلع عليكم من الثَّنِيَّة"9، فقال الوليد بن المغيرة: ساحر، فانطلقوا فنظروا، فوجدوا الأمر كما قال، فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد بن المغيرة فيما قال10.

وسعى بعض الناس إلى أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، فقالوا: هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس.

قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟

قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق11.

فوائد ودروس وعبر:

1-بعد كل محنة منحة، فقد تعرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمحن عظيمة، فهذه قريش قد سدت الطريق في وجه الدعوة في مكة، وفي ثقيف، وفي قبائل العرب، وأحكمت الحصار ضد الدعوة ورجالاتها، من كل جانب، وأصبح الخطر يحدق بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاة عمه أبي طالب أكبر حُماته، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ماض في طريقه، صابر لأمر ربه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولاحرب محارب، ولا كيد مستهزئ، وحان الوقت للمحنة العظيمة، فجاءته حادثة الإسراء والمعراج، على قد من رب العالمين، فيعرج به من دون الخلائق جميعاً، ويكرمه على صبره وجهاده، ويكلمه دون واسطة، ويطلعه على عوالم الغيب دون الخلق كافة، ويجمعه مع إخوانه من الرسل في صعيد واحد، فيكون الإمام والقدوة لهم، وهو خاتمهم وآخرهم12.

2-إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان مُقدِماً على مرحلة جديدة، مرحلة الهجرة، والانطلاق لبناء الدولة، يريد الله تعالى للَّبِنات الأولى في البناء أن تكون سليمة قوية متراصة متماسكة، فجعل الله هذا الاختبار والتمحيص، ليخلص الصف من الضعاف المترددين، والذين في قلوبهم مرض، ويثبت المؤمنين الأقوياء الخلص، الذين لمسوا عياناً صدق نبيهم بعد أن لمسوه تصديقاً، وشهدوا مدى كرامته على ربه، فأي حظ يحوطهم وأي سعد يغمرهم، وهم حول هذا النبي -صلى الله عليه وسلم- المصطفى، وقد آمنوا به، وقدموا حياتهم فداء له ولدينهم، كم يترسخ الإيمان في قلوبهم أمام هذا الحدث الذي تم بعد وعثاء الطائف، وبعد دخول مكة بجوار، وبعد أذى الصبيان والسفهاء13.

3-إن شجاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- العالية، تتجسد في مواجهته للمشركين، بأمر تنكره عقولهم، ولا تدركه في أول الأمر تصواراتهم، ولم يمنعه من الجهر به الخوف من مواجهتهم، وتلقي نكيرهم واستهزائهم، فضرب بذلك -صلى الله عليه وسلم- لأمته أروع الأمثلة في الجهر بالحق، أمام أهل الباطل، وإن تحزبوا ضد الحق، وجندوا لحربه كل ما في وسعهم، وكانت من حكمة النبي -صلى الله عليه وسلم- في إقامة الحجة على المشركين، بأن حدثهم عن إسرائه إلى بيت المقدس، وأظهر الله له علامات تُلزم الكفار بالتصديق، وهذه العلامات هي:

-وصف النبي -صلى الله علي وسلم- بيت المقدس، وقد أقروا بصدق الوصف، ومطابقته للواقع الذي يعرفونه.

-إخباره عن العير التي بالروحاء.

-إخباره عن العير الثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت