فاسأل من يتعاطاه كم ينفق فيه من الريالات في كل يوم وقد يكون فقيرا ليس عنده قوت يومه وليله ومع هذا فهو يقدّم الدخان على شراء غيره، من الضروريات ولو ركبته الديون الكثيرة ولو فكر هذا المسكين في ما ينفق في هذا السم الخبيث وصرف هذا المال لمستحقيه لإخوانه المنكوبين ليجدوا لقمة يسدون بها رمقهم لكسب بذلك الأجر والمغفرة من الله والمثوبة ولكن من يتذكر ويتعظ؟
وأما ضرر شرب الدخان في المجتمع:
فإن شارب الدخان يسيء إلى مجتمعه ويسيء إلى كل من جالسه وصاحبه بحيث ينفخ الدخان في وجوه الناس فيخنق أنفاسهم ويضايقهم برائحته الكريهة حتى يفسد الجو من حولهم وامتد هذا الأذى فصار يلاحق الناس في المكاتب والمتاجر وفي السيارات والطائرات حتى عند أبواب المساجد بل إن بعضهم ما إن يخرج حتى يشعل السيجارة عند باب المسجد، بل إن التدخين يؤذي الملائكة الكرام ففي الصحيحين عن جابر أن النبي قال: (( إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ) )، ومن مضار الدخان الاجتماعية أنه يستنزف ثروة الأمة وينقلها إلى أيدي أعدائها من الشركات التي تصدر هذا الأذى الخبيث.
ومن مضاره أنه يسبب الحرائق المروعة التي تذهب بالأموال وتخرب البيوت، فكم حصل بسبب أعقاب السجائر التي تلقى وهي مشتعلة من إضرام حريق أتى على الأخضر واليابس وأتلف أموالا وأنفسا بغير حق، تولى كبرها ذلك المدخن الذي قذف بسيجارته دون مبالاة.
هذه بعض أضرار التدخين الاجتماعية والبدنية والدينية والمالية فهل يستطيع المدخنون أن يذكروا لنا فائدة واحدة أو بعض فائدة في شرب الدخان تقابل هذه المضار؟ فيا أسفاه كيف غابت عقولهم وسفهت أحلامهم وضاقت صدورهم من قبول الحق، بل إن التدخين ليس له حسنة واحدة يمكن أن تقال فيه، بل على العكس فكله مضار كما ذكرنا والتدخين في الحقيقة هو سفه ودناءة ولو رأى أحدنا إماما أو واعظا أو رجلا من أهل القدر والرفعة يشرب الدخان لاستنكر هذا الفعل ولشهّر به في المجالس ويقول منتقدا: رأيت الشيخ فلان يشرب الدخان وما ذاك إلا لأنه ليس من مقام المروءة ومكارم الأخلاق، ومن رأى مجالس المدخنين ومن يرتادها ومجالس الصالحين ومن يحضرها لعرف الفرق.
ومن أهم أسباب انتشار التدخين أقولها باختصار نظرا لضيق الوقت:
أولا: وسوسة الشيطان.
ثانيا: رفقاء السوء.
ثالثا: المقاهي والاستراحات العامة ولا إشكال في ذلك لأن من أقامها أناس قليلو الديانة والأمانة لا يهمهم سوى جمع المال بأي وسيلة.
رابعا: الآباء والمربون وخاصة إذا كانوا يتعاطون الدخان فإنهم يؤثرون فيمن يربونهم ولابد.
وأخيرا فما هو حكم التدخين أو الدخان.
ولعلك أيها المسلم بتحكيم عقلك وتفكيرك في شيء اتصف بالضرر على الدين والبدن والمال وتعدّى ضرره إلى الغير وعدمت فيه المنفعة أصلا لا تتوقف في تحريمه قبل أن تسمع النصوص النقلية ولكن لتقوية مدلول العقل تحقق أن الشرع قد نص على التحريم إجمالا وتفصيلا ولا شك أن الشرع هو الدليل القاطع في مسألة النزاع وبهذه النظرة العامة يتضح أن استعمال التدخين محرم وممنوع شرعا ولا يباح بحال من الأحوال وأما كلام العلماء وقولهم بالتحريم وأدلتهم فأكثر من أن تحصره وقد قال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية سابقا رحمه الله في فتواه: (مما يعلم كل أحد تحريمنا إياه نحن ومشايخنا ومشايخ مشايخنا ومشايخهم، وكافة المحققين من أئمة الدعوة وسائر المحققين سواهم من العلماء في سائر الأمصار من له من وجوده بعد الألفِ بعشرة أعوام إلى يومنا هذا) انتهى كلامه.
وفي الختام أعتذر إليكم أيها المدخنون إذا قسوت عليكم فما أردت إلا تخليصكم من عدو عنيد قد تسلط عليكم وفتك بكم وأبعدكم عن الخير وأهله وقربكم من الشر وأهله.
فيا من ابتليت بشرب الدخان أسأل الله لنا ولك العافية إنني أدعوك بدافع النصيحة الخالصة أن تبادر بالتوبة منه وأن تتركه طاعة لربك وحفاظا على صحتك، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ثم لا تنسى أيها المدخن أنك ستكون قدوة سيئة لأولادك إن كنت والدا ولتلاميذك إن كنت مدرسا ولأصحابك ومخالطيك فتكون قد جنيت على نفسك وغيرك وإذا تركته وتبت منه صرت قدوة حسنة لغيرك فكن قدوة في الخير ولا تكن قدوة في الشر.
والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ولا يحملنك التقليد الأعمى والمجاملة الخادعة أن تتعاطى هذا الدخان وقد عافاك الله منه أو تستمر فيه وقد عرفت أضراره وأمامك باب التوبة مفتوح فبادر قبل أن يغلق.
وأحب أن أنبه إلى أن الشيشة تأخذ نفس الحكم في الحرمة لمن يتعاطاها فلا يجوز شربها ولا اقتناؤها بالمنزل ولا الجلوس في المقاهي من أجل شربها والله أعلم. ... ... ... ...
الخطبة الثانية ... ... ... ...
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشانه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه أما بعد: