فهرس الكتاب

الصفحة 2331 من 9994

هذا الإعداد بالعبادة المتواصلة من (الذكر وقراءة القرآن وقيام الليل) كان بمثابة الزاد والوقود المُعين للاستمرار على الطريق، وتَحَمُّل الكيد والإيذاء الذي ينتظر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن آمن معه. ولهذا فقد كُلف -صلى الله عليه وسلم- أثناء هذا الإعداد بالنبوة. يقول -صلى الله عليه وسلم-: «بينا أنا أمشي، إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني. فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ} إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 1 - 10] (2) .

ولما رأت زوجه خديجة ـ رضي الله عنها ـ فزع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أخذته إلى ابن عمِّها (ورقة بن نوفل) الذي قال له: «هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك» . فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أَوَ مخرجيَّ هم؟!» قال: «نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي...» (3) . وهذا من سنن الله الجارية في تمحيص الدعوة والدعاة، فكل من سيدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سيتعرض لشيء من الإيذاء والتضييق، ولهذا فقد أوصى لقمان ابنه؛ فقال له: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان: 17] ، ولن يثبت على ذلك إلا من كان لديه زاد يعينه على تحمل عقبات الطريق ومشاقّه.

وقد شاء الله ـ تعالى ـ أن يكون هذا هو طبيعة الطريق، فهو طويل وشاق، مملوء بالأشواك والصعاب «تعِب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وبِيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وتزها أنت باللهو واللعب!» (4) . فهذا الطريق لا تتحمله إلا نفوس الرجال، ولا تقوم به إلا همم الصادقين الأبطال.

وتأمل مطلع سورة المدثر، تلك الآيات التي تضمنت النداء العلوي بانتداب النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا الأمر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء إلى الدعوة والجهاد والكفاح والمشقة. ومنذ أن قال الله ـ تعالى ـ لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: {قُمْ فَأَنذِرْ} قام بالأمر خير قيام، فبلّغ ودعا وأدّى الأمانة التي أشفقتْ منها وأبت أن تحملها السماوات والأرض، وحملها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وظل قائماً بعد ذلك لأكثر من عشرين عاماً... لم يسترح، ولم يسكن، ولم يعش لنفسه ولا لأهله... قام وظل قائماً على دعوة الله، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به... عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض... عبء البشرية كلها... عبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى...، وعَلِمَ عِلْمَ يقين أنه لم يعد هناك راحة أو نوم، وأن هناك تكليفاً ثقيلاً وجهاداً طويلاً (5) ، فدعا إلى الله ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، سلماً وحرباً، وكان يقطع المفاوز والقفار، ويتسلق الجبال، وينزل الوديان طمعاً في إسلام رجل أو بضعة رجال، وواجه في سبيل ذلك أنواع الإيذاء والصدود، والعناد والرفض، والإيذاء والضرب؛ بل والعذاب وقتل الأصحاب... فصبر واحتسب، ولم يفتر أو يلين، أو يضعف أو يستكين.

u صفاء الابتداء:

تلك الأصول المهمة في التربية والإعداد الفردي تدل دلالة أكيدة على أهمية البدايات الأولى في الإعداد والتنشئة. ومن القواعدة المسلّم بها: أن المقدمات إذا صحت؛ أعقبها نتائج مثمرة باهرة.

فالتربية الذاتية الناجحة متعلقة في بداياتها، وإذا صحت تلك البدايات وروعيت أولوياتها؛ أعقبتها نتائج مشرقة. وكما قيل: من كانت بدايته متعبة كانت نهايتة مشرقة.

أما الإعداد الفوضوي الذي لا يلتزم بسلم الأولويات ولا يقوم على أسس ثابتة منهجية، فهو إعداد عاطفي هش، لا يحقق غاية ولا ينتج ثمراً، وسرعان ما يمل ويفتر صاحبه. ولهذا قيل: الفتور بعد المجاهدة من فساد الابتداء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت