فهرس الكتاب

الصفحة 2358 من 9994

وهذا عمرو بن الجموح كان أعرجاً شديد العرج، وكان له أربعة أبناء يغزون مع رسول الله إذا غزا، فلما توجه رسول الله إلى أحد، أراد أن يتوجه معه، فمنعه أبناؤه لكبره، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله فقال: يا رسول الله إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، والله إني لأرجو أن استشهد فأطأ بعرجتي هذه الجنة فقال له رسول الله: أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه، لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة، فخرج مع رسول الله فقتل يوم أحد شهيداً.

وهذا أنس بن النضر آلى نفس إذ تخلف عن غزوة بدر أن إذا جاءت غزوة أخرى ليرين الله ما يصنع، فلما انكشف المسلمون في غزوة أحد انطلق وقال: اللهم أني أعتذر إليك من صنع هؤلاء، (ويعني أصحابه حينما نزلوا الجبل) وأبرأ إليك من صنع هؤلاء يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد.

قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس بن مالك: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون، فما عرفه أحدٌ إلا أخته ببنانه (إصبعه) ، قال أنس: فكنا نظن أن هذه الآية نزلت في أشباهه من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

وهذا رجل آخر من الصحابة يهجم عليه رجلٌ فيطعنه طعنة في صدره فلما سال الدم، أمسك الدم بيمينه ونظر إليه وقال: فزت بها ورب الكعبة، فزت بها ورب الكعبة، فزت بها ورب الكعبة.

ولما انكشف المسلمون في معركة أحد ظهرت البطولات والتضحيات، وفي وسط هذه الدهشة المذهلة والمفاجأة المحزنة، حين خرج المشركون بقيادة خالد بن الوليد (قبل أن يسلم) على المسلمين من خلف الجبل وبعد أن نزل الرماة من جبل أحد، صرخ الشيطان إبليس بأعلى صوته: إن محمداً قد قتل، ووقع ذلك في قلوب كثير المسلمون، ومرّ أنس بن النضر صاحب القصة السابقة بقوم من المسلمين وقد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: قتل رسول الله فقال: فما تصنعون بالحياة بعده، قوموا موتوا على ما مات عليه.

ولكن الحقيقة أن رسول الله لم يقتل، وخلص المشركون إلى رسول الله ، وثبت في وجه العدو وقاتلهم قتالاً شديداً فظل يرمي بالنبل حتى فني نبله، وانكسر قوسه، ثم ظل يرمي بالحجارة حتى دفعهم عنه.

وثبت معه نفر من أصحابه قيل أنهم دون العشرة، وقيل أنهم فوق العشرة وأحاطوا به يصدون هجمات العدو الذي أحدق بهم من كل ناحية، وشدوا عليه يريدون أن يقتلوه، فما زال هؤلاء النفر يذودون عنه ويقاتلوه دونه ويتلقون ضربات العدو.

وترّس أبو دجانة نفسه دون رسول الله فجعل النبل يقع على ظهره وهو منحن على رسول الله حتى كثر فيه النبل، ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله فجعل رسول الله يناوله النبل وبعد يقول: ارم فداك أبي وأمي.

ودافعت عن رسول الله أم عمارة وقد ذكرنا قصتها.

ولكن رغم ذلك كله جرح العدو وجه النبي وكسروا رباعيته، وهشموا البيضة، (الخوذة) التي على رأسه الشريف، ورموه بالحجارة، حتى وقع وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين، فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله، وكان الذي تولى أذى النبي عمرو بن قمئة وعتبة بن أبي وقاص، ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه، فانتزعها أبو عبيدة بن الجراح، وعض عليها حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه .

أرأيتم أيها الأخوة كيف نحن تغيرنا، وأصبحت أمجادنا رهن الذكريات وسجينة كتب التاريخ.

تكدّر من بعد النبي محمدِ عليه س،لام الله ما كان صافياً

فكم من منار كان أوضحه لنا ومن علم أمسى وأصبح عافيا

ركنا إلى الدنيا الدنية بعده وكشفت الأطماع منا المساويا

وإنا لنمر من كل يوم بنكبة نراها فما تزداد إلا تعاميا

أيها المسلمون: أفيقوا واعلموا أنكم أصحاب أمجاد وتاريخ عريق، وأصحاب بطولات لم يعرف التاريخ لها نظيراً، فاربؤوا بأنفسكم أن تكونوا أذلاء صاغرين لا قيمة لكم ولا عزة لكم.

وارفعوا أنفسكم عن سفاسف الأمور، وتطلعوا إلى معاليها، وإياكم والمعاصي والاستسلام للمحرمات صغرت أم كبرت، وإن الخلق لا يهونون عند الله إلا حينما يخالفون أمره، كما قال أبو الدرداء:"ما أهون الخلق على الله إذا هم خالفوا أمره". وإذا كتب الله علينا الهون فمن يكرمنا، ومن يهن الله فما له من مكرم .

انتصر على نفسك على الأقل القليل، إن لم تستطع أن تكون كالصحابة والتابعين في أقدامهم وشجاعتهم فلا أقل من أن تكون منتصراً على نفسك مسيطراً عليها، كم من إنسان تغلبه نفسه وتتحكم به شهواته، فما أن يظهر على الساحة أي معصية أو فتنة حديثة إلا وانجرف وراءها.

ماذا عساك أن تنتظر من هؤلاء وهم لم ينتصروا على أنفسهم التي بين جنباتهم.

اللهم أيقظنا من سبات الغفلات.

اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى. ... ... ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت