مما سبق نستنتج أن التوبة هي معرفة العبد لقبح الذنوب وضررها عليه، فيقلع عنها مخلصاً في إقلاعه عن الذنب لله تعالى، نادماً على ما بدر منه في الماضي من المعاصي قصداً أو جهلاً، عازماً عزماً أكيداً على عدم العودة إليها في المستقبل، والقيام بفعل الطاعات والحسنات، متحللاً من حقوق العباد بردها إليهم، أو محصلاً البراءة منهم.
تعريف الاستغفار:
الاستغفار لغة: الاستغفار مصدر قولهم: استَغفَر يستغفر، وهو مأخوذ من مادة (غَ فَ رَ) التي تدل على الستر في الغالب الأعم، فالغَفْر الستر والغفر والغفران بمعنى واحد، يقال: غفر الله ذنبه غفراً ومغفرة وغفراناً.
وقال ابن منظور:"أصل الغفر التغطية والستر يقال: اللهم اغفر لنا مغفرةً. واستغفر الله ذنبه على حذف الحرف طلب منه غَفْرةً".
وقال الراغب:"الغفر إلباس ما يصونه عن الدنس".
الاستغفار شرعاً: الاستغفار من طلب الغفران والغفران تغطية الذنب بالعفو عنه وهو أيضاً طلب ذلك بالمقال والفعال.
تعريف الإنابة:
الإنابة لغة: تدور مادة (ن و ب) حول الرجوع، يقول ابن فارس:"النون والواو والباء"كلمة واحدة تدل على اعتياد مكان ورجوعٍ إليه"."
تقول: أناب فلان إلى الشيء، رجع إليه مرة بعد أخرى، وإلى الله تاب ورجع.
وقال الراغب:"الإنابة إلى الله تعالى: الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل".
وفي التنزيل العزيز: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} [الروم:31] أي: راجعين إلى ما أمر به، غير خارجين عن شيء من أمره، وقوله عز وجل: {وَأَنِيبُواْ إِلَى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ} [الزمر:54] أي: توبوا إليه وارجعوا.
وقال ابن الأثير"يقال: أناب ينيب إنابة فهو منيب، إذا أقبل ورجع، وفي حديث الدعاء (( وإليك أنبت ) )".
الإنابة شرعاً: الإنابة: إخراج القلب من ظلمات الشبهات، وقيل: الإنابة الرجوع من الكل إلى من له الكل، وقيل: الإنابة الرجوع من الغفلة إلى الذكر، ومن الوحشة إلى الأُنْس.
وقال الكفوي:"الإنابة: الرجوع عن كل شيء إلى الله تعالى".
وقال ابن القيم:"الإنابة: الإسراع إلى مرضاة الله، مع الرجوع إليه في كل وقت، وإخلاص العمل له".
تعريف الأوبة:
الأوبة لغة: الأوْب الرجوع، آب إلى الشيء: رجع، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أقبل من سفر قال: (( آيبون تائبون لربنا حامدون ) )، وفي محكم التنزيل قوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَئَابٍ} [ص:25] أي: حسن المرجع الذي يصير إليه في الآخر.
وفلان أواب أواه أي: رجاع إلى التوبة.
قال ابن فارس:"الهمزة والواو والباء أصل واحد، وهو الرجوع، ثم يشتق منه ما يبعد في السمع قليلاً. وقال الخليل: آب فلان إلى سيفه أي ردّ يده ليستله".
الأوبة شرعاً: قال الراغب الأصفهاني:"والأواب كالتواب وهو الراجع إلى الله تعالى بترك المعاصي وفعل الطاعات".
وقال أبو هلال العسكري:"الإياب هو الرجوع إلى منتهى القصد فلا يقال لمن رجع من بعض الطريق: آب، قال تبارك وتعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} [الغاشية:25] ".
وقال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:30] :"إنه إلى طاعة الله مقبل وإلى رضاه رجّاع".
وقال القرطبي:"أي: تواب رجاع مطيع".
العلاقة بين الاستغفار والإنابة والأوبة وبين التوبة:
أولاً: علاقة الاستغفار بالتوبة:
جاء ذكر الاستغفار منفرداً عن التوبة، كما جاء مقترناً بها في مواضع كثيرة في الكتاب والسنة وسنسوق الشواهد على ذلك:
1-إفراد التوبة عن الاستغفار:
يقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج:10] ، ويقول عز وجل: {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً} [الفرقان:71] ، ويقول سبحانه: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} [المائدة:39] .
أما من السنة النبوية:
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ) ).
2-إفراد الاستغفار عن التوبة:
يقول سبحانه وتعالى: {فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت:6] ، ويقول عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33] ، ويقول سبحانه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} [نوح:10] .
وأما من السنة: