فهرس الكتاب

الصفحة 2487 من 9994

يقول الزرقاني: الناظر في تاريخ الصحابة يروعه ما يعرفه عنهم في تثبتهم أكثر مما يروعه عنهم في حفظهم لأن التثبت فضيلة ترجع إلى الأمانة الكاملة والعقل الناضج من ناحية، ثم هو في الصحابة بلغ القمة من ناحية أخرى، إذ كان تثبتا بالغا وحذرا دقيقا وحيطة نادرة وتحريا عميقا لكتاب الله تعالى وهدى رسوله في كل ما يتصل بهما عن قرب أو بعد. مناهل العرفان ج: 1 ص: 219 . وكذلك نهى الله عن اتباع ما لا دليل عليه إلا أن تسمع الأذن أو ترى العين أو يعتقد القلب عن برهان، فقال عز من قائل: { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } وقد عاب القرآن على من يأخذون بالظن فيما لا يكفي فيه الظن، فقال الله جل شأنه { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا } ... مناهل العرفان ج: 1 ص: 220

وقال السيوطي: أخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"عسى رجل أن يقول إن الله أمر بكذا، ونهى عن كذا، فيقول الله عز وجل له: كذبت. ويقول إن الله حرم كذا، وأحل كذا، فيقول الله عز وجل له:كذبت".... الدر المنثور ج: 5 ص: 175. وعن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم ( النخعي ) قط يقول: حلال ولا حرام ولكن يقول كانوا يكرهون وكانوا يستحبون... تفسير القرطبي ج: 10 ص: 196.

وقال ابن وهب: قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولوا إياكم كذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا.. ومعنى هذا أن التحليل والتحريم إنما هو لله عز وجل، وليس لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان إلا أن يكون البارئ تعالى يخبر بذلك عنه، وما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول: إني أكره كذا وكذلك، وكان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى... تفسير القرطبي ج: 10 ص: 196.

ثانياً: الزواجر النبوية في الجرأة على الفُتيا:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ) ). البخاري ومسلم. وكل أهل السنن تقريباً. ومعلوم إن هذا الحديث من الأحاديث المتواترة، قال النووي: ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة إلا هذا، ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابياً إلا هذا, وقال بعضهم: رواه مائتان من الصحابة ثم لم يزل في ازدياد وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما من حديث علي والزبير وأنس وأبي هريرة وغيرهم. والله أعلم. شرح مسلم.

وقال ابن حجر:"قوله: (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) أي فليتخذ لنفسه منزلاً, يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكناً, وهو أمر بمعنى التهديد, أو بمعنى التهكم, أو دعاء على فاعل ذلك أي بوأه الله ذلك". فتح الباري: كتاب العلم. وقال النووي:"وأما الكذب فهو عند المتكلمين من أصحابنا: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو, عمداً كان أو سهواً, هذا مذهب أهل السنة". شرح مسلم. وفي رواية الدارمي: عَنْ الزُّبَيْر - رضي الله عنه- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ حَدَّثَ عَنِّي كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ. وليس فيها متعمداً. يقول ابن حجر تعليقاً على ذلك:"وفي تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليل للأصح في أن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء كان عمداً أم خطأً, والمخطئ وإن كان غير مأثوم بالإجماع لكن الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر, لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار إذ الإكثار مَظِنَّة الخطأ, والثقة إذا حدث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به على الدوام للوثوق بنقله, فيكون سبباً للعمل بما لم يقله الشارع, فمن خشي من إكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار, فمن ثم توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث. وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت, أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان. رضي الله عنهم."

تتمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت