فهرس الكتاب

الصفحة 2494 من 9994

بعد أن تم بناء المسجد النبوي الشريف بُني لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حوله حُجَرٌ -أي غرف- لتكون مساكن له ولأهله، وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء، قال الحسن بن أبي الحسن البصري وكان غلاماً مع أمه (خيرة) مولاة أم سلمة: لقد كنت أنال أطول سقف في حجر النبي -صلى الله عليه وسلم- بيدي.. وقد كان الحسن البصري ضخماً طويلاً -رحمه الله-.

وكانت مساكنه -عليه السلام- مبنية من جريد عليه طين، بعضها من حجارة مرضومة وسقوفها كلها من جريد.. وكانت حُجره من شعر مربوطة بخشب من عرعر، وفي تاريخ البخاري أن بابه -عليه السلام- كان يقرع بالأظافير)4 فدل على أنه لم يكن لأبوابه حِلق، وقد أضيفت الحُجر كلها بعد موت أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد.5

المسجد النبوي يُخرج جيلاً لم تسمع بمثله البشرية!

تم بناء المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه، وقد تفلت الكلاب إليه فتغدو وتروح. هذا البناء المتواضع.. هو الذي ربى ملائكة البشر، ومؤدبي الجبابرة، وملوك الدار الآخرة.. في هذا المسجد أذن الرحمن لنبي يؤم بالقرآن خير من آمن به، يتعهدهم بأدب السماء من غبش الفجر إلى غسق الليل.

إن مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي، فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم، وندوة للأدب، وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام، لكن الناس -لما أعياهم بناء النفوس على الأخلاق الجليلة- استعاضوا عن ذلك ببناء المساجد السامقة، تضم مصلين أقزاماً!!

أما الأسلاف الكبار فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلى تزكية أنفسهم وتقويمها، فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام..6

لمثل هذا فليبنى المسجد، فهو قلعة الإيمان، وحصن الفضيلة، وهو المدرسة الأولى التي يتخرج منها المسلم، هو بيت الأتقياء، ومكان اجتماع المسلمين يومياً، ومركز مؤتمراتهم، ومحل تشاورهم وتناصحهم، والمنتدى الذي فيه يتعارفون ويتآلفون، وعلى الخير يتعاونون، منه خرجت جيوشهم، ففتحت مشارق الأرض ومغاربها.. منه تخرج العلماء والفقهاء.

هكذا فهم المسلمون الأولون وظيفة المسجد، وهكذا بنوه، فلم يسرفوا في بنائه، ولم يزخرفوا، ولم يبذروا، ولم ينصرفوا البهرج وزخرفة الظاهر، بل كان مقصدهم جوهر ذلك الصرح العظيم وعظيم دوره في صياغة الشخصية المسلمة، ولذلك ففتح الله على أيديهم مشارق الأرض ومغاربها.

ولما صار المسلمون إلى التبذير والإسراف والزخرفة والمظاهر الفارغة، نزع الله الملك من أيديهم، فصار ما بنوه من المساجد كنائس ومتاحف، لا يُذكر فيها اسم الله الواحد الأحد (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (النحل:33) .7

اللهم أعنا على القيام بأمرك، والوقوف عند نهيك، ونعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا..

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً..

1-فتح الباري (7/246) ط: دار المعرفة ، بيروت 1379 هـ.

2-رواه أحمد في مسنده، ورواه عبد الرزاق الصنعاني بهذا السياق. وقال ابن كثير عن إسناد عبد الرزاق: (وهذا إسناد على شرط الصحيحين) . (البداية والنهاية 4/536) . ط: دار عالم الكتب.. وقد رواه مسلم في صحيحه لكنه ذكر أن قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمار كان عند حفر الخندق في غزوة الأحزاب، قال البيهقي -رحمه الله- في الدلائل (2 / 549) : يشبه أن يكون ذكر الخندق، وهما في رواية أبي نضرة، أو كان قد قالها عند بناء المسجد، وقالها يوم الخندق، والله أعلم).

قال شعيب الأرناؤوط -عند تعليقه على الحديث (11024) في مسند أحمد-: لا مانع من أنه -صلى الله عليه وسلم- قد قالها عند بناء المسجد، ويوم الخندق، وقد ورد ذكر يوم الخندق من حديث أم سلمة أيضاً بإسناد صحيح). ورواه الترمذي بلفظ: (أبشر عمار، تقتلك الفئة الباغية) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2989) .

3-البداية والنهاية (4/541) .

4-رواه البخاري في الأدب المفرد. وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (4805) .

5-البداية والنهاية (4/545) .

6-فقه السيرة للغزالي ص168-169. ط: دار إحياء التراث العربي.

7 -انظر كتاب (المسجد في الإسلام) لـ خير الدين وانلي. في المقدمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت