فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال أحمد بن منصور الرمادي: خرجت مع أحمد (يعني ابن حنبل) ويحيى (ابن معين) إلى عبد الرزاق (ابن همام الصنعاني) خادمًا لهما، قال: فلما عدنا إلى الكوفة قال يحيى بن معين: أريد أن اختبر أبا نعيم، فقال أحمد: لا تُرِدْ فالرجل ثقة، قال يحيى: لا بد لي، فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثًا وجعل على رأس كل عشرة منها حديثًا ليس من حديثه ثم إنهم جاؤوا إلى أبي نعيم فخرج وجلس على دكان طين (مكان مرتفع) وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عن يمينه ويحيى عن يساره وجلستُ أسفل الدكان، ثم أخرج يحيى الطبق فقرأ عليه عشرة أحاديث، فلما قرأ الحادي عشر، قال أبو نعيم: ليس هذا من حديثي؛ اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني وأبو نعيم ساكت فقرأ الحديث الثاني، فقال أبو نعيم: ليس هذا من حديثي فاضرب عليه ثم قرأ العشر الثالث ثم قرأ الحديث الثالث فتغير أبو نعيم وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى فقال: أمّا هذا - وذراع أحمد بيده - فأورع من أن يعمل مثل هذا، وأما هذا - يريدني - فأقل من أن يفعل ذلك، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، وأخرج رجله فرفس يحيى فرمى به من الدكان وقام فدخل داره فقال أحمد بن حنبل ليحيى: ألم أمنعك وأقل لك إنه ثَبْتٌ، قال: والله لرفْسَتُهُ لي أحب إليّ من سفرتي.
قال أبو العباس السراج عن الكديمي قال: لما دخل أبو نعيم على الوالي ليمتحنه وثَمَّ يونس وأبو غسان وغيرهما فأول ما امتحن فلان فأجاب ثم عطف على أبي نعيم فقال: قد أجاب هذا فما تقول؟ فقال: والله ما زلت أتهم جدّه بالزندقة ولقد أخبرني يونس بن بكير أنه سمع جده يقول: لا بأس أن يرمي الجمرة بالقوارير، أدركت الكوفة وبها أكثر من سبع مائة شيخ، الأعمش فمن دونه يقولون: القرآن كلام اللَّه وعنقي أهون من زِرِّي هذا، فقام إليه أحمد بن يونس فقبل رأسه وكان بينهما شحناء، وقال: جزاك اللَّه من شيخ خيرًا.
قال سبط بن الجوزي في (مرآة الزمان) : قال عبد الصمد بن المهتدي: لما دخل المأمون بغداد نادى بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك لأن الشيوخ بقوا يضربون ويحبسون فنهاهم المأمون وقال: قد اجتمع الناس على إمام فمر أبو نعيم فرأى جنديًا على منكر عظيم فنهاه أبو نعيم بعنف فحمله إلى الوالي فيحمله الوالي إلى المأمون قال: وأُدخلت عليه بُكرةً وهو يُسبح، فقال: توضأ، فتوضأت ثلاثًا ثلاثًا على ما رواه عبد خير عن علي رضي الله عنه فصليت ركعتين، فقال: ما تقول في رجل مات عن أبوين، فقلت: للأم الثلث وما بقي للأب، قال: فإن خلف أبويه وأخاه ؟ قلت: المسألة بحالها، وسقط الأخ، قال: فإن خلف أبوين وأخوين ؟ قلت: للأم السدس وما بقي للأب، قال: في قول الناس كلهم ؟ قلت: لا، إن جدك ابن عباس يا أمير المؤمنين ما حجب الأم عن الثلث إلا بثلاثة إخوة، فقال: يا هذا من نهى مثلك عن الأمر بالمعروف ؟ إنما نهينا أقوامًا يجعلون المعروف منكرًا ثم خرجت.
قال محمد بن عبد الوهاب الفراء: كنا نهاب أبا نعيم أشد من هيبة الأمير.
قال بشر بن عبد الواحد: رأيت أبا نعيم في المنام فقلت: ما فعل اللَّه بك ؟ يعني فيما كان يأخذ على الحديث، فقال: نظر القاضي في أمري فوجدني ذا عيال فعفا عني، قال الذهبي: ثبت عنه أنه كان يأخذ على الحديث شيئًا قليلاً لفقره.
قال عليّ بن خشرم: سمعت أبا نعيم يقول: يلومونني على الأخذ وفي بيتي ثلاثة عشر نفسًا وما في بيتي رغيف. قال الذهبي: لاموه على الأخذ يعني من الإمام لا من الطلبة.
قال الذهبي: وقد كان أبو نعيم ذا دعابة فروى علي بن العباس المقانعي سمعت الحسين بن عمرو العنقزي يقول: دق رجل على أبي نعيم الباب، فقال: من ذا ؟ قال: أنا، قال: من أنا؟ قال: رجل من ولد آدم، فخرج إليه أبو نعيم وقبله وقال: مرحبًا وأهلاً، ما ظننت أنه بقي من هذا النسل أحدٌ.
قال الذهبي: كان في أبي نعيم تشيع خفيف. قلت: كان منتشرًا في الكوفة.
وفاته: توفي أبو نعيم رحمه اللَّه بالكوفة ليلة الثلاثاء لانسلاخ شعبان سنة تسع عشرة.
قال الذهبي: توفي أبو نعيم شهيدًا، فإنه طعن في عنقه وظهر به في يده حمرة بسبب الطاعون.
ومما رواه أبو نعيم من الحديث:
روى البخاري عنه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال اللَّه عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، والصوم جنة، للصائم فرحتان؛ فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى اللَّه عز وجل، ولخلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك» .
وما رواه البخاري عنه عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن همام قال: كنا جلوسًا مع حذيفة فقيل له: إن رجلاً يرفع الحديث إلى عثمان، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة قتات» . والقتات هو النمام.
فوائد من الترجمة:
1-مكانة أبي نعيم في العلم والفضل والصدع بالحق.
2-لا يؤخذ العلم إلا عمن يفهم ما يكتب وشهد له بذلك العلماء.
3-يُعرف حال الراوي بالاختبار والسؤال عن حديثه.