والذي أدى فريضة الحج في السنوات الأخيرة يلمس هذه الأهداف ماثلة للعيان فكم من أموال بذلت في سبيل الله وكم من تجارب تمت الاستفادة منها وكم من لقاءات جانبية تداول فيها المجتمعون ما يهم المسلمين في حاضرهم ومستقبلهم، وإذا كان هذا تحقق فعلاً بفضل من الله فإننا نأمل المزيد وندعو المسلمين لاستثمار هذا المؤتمر السنوي ليحصل الخير الوفير لأمة الإسلام في جميع ديار المسلمين.
فرض الله سبحانه وتعالى العبادات على عباده امتحاناً لطاعتهم وإظهاراً لعبوديتهم وشكرهم وتحقيقاً لمصالحهم في الدنيا والآخرة وقد أشار سبحانه وتعالى في محكم كتابه إلى طرف من هذه المصالح والمنافع، فعند ذكر الحج مثلاً أشار إلى منافعه العظيمة التي يشهدها الحجاج يقول تعالى: لّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الاْنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28] .
قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: (منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات ...) .
ولكي تتضح الصورة لنا حول آثار الحج سنتحدث عنه من جانبين:
أحدهما: آثار الحج في حياة الأمة الإسلامية.
الثاني: آثار الحج فيمن أدى فريضته.
آثار الحج في حياة الأمة الإسلامية:
للحج آثار عظيمة على المجتمع المسلم في عقيدته ووحدته واقتصاده وجميع شئون حياته ومن أبرز آثاره في حياة الأمة الإسلامية ما يأتي:
1-وصل حاضر الأمة بماضيها:
من آثار الحج الظاهرة أنه يصل حاضر الأمة الإسلامية بماضيها ويربط الجيل الحاضر بالجيل الأول، وتاريخ البيت العتيق ضارب في أعماق الزمن منذ أن دعا أبونا إبراهيم عليه السلام وأرسل نداءه الخالد على مر الزمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وَأَذّن فِى النَّاسِ بِالْحَجّ .
2-سقوط الشعارات الزائفة:
من آثار الحج سقوط الشعارات الزائفة التي تجعل التفاضل بين الناس حسب أجناسهم وألوانهم ومكانتهم في الدنيا. ففي الحج تذوب تلك الفوارق، بل تسقط فتتحقق المساواة بين المسلمين رغم اختلاف أجناسهم وألوانهم وتباين ألسنتهم وتباعد بلادهم، الجميع من آدم وآدم من تراب إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] .
3-توحيد كلمة المسلمين:
من آثار الحج في حياة أمة الإسلام توحيد كلمة المسلمين وجمع شملهم تحت راية التوحيد، شعارهم المعلن هو التلبية ـ لبيك اللهم لبيك ـ وما ذاقت الأمة ما ذاقت من ويلات وحروب واستعمار وتخلف إلا بسبب تفرقها وتمزقها، والحج فرصة، وأيما فرصة للم الشمل وتوحيد الصف والوقوف بوجه العدو تحقيقاً لأمر الله وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران:103] .
4-تبادل المنافع التجارية والتجارب الاقتصادية:
من آثار الحج في حياة الأمة الإسلامية تبادل التجارب والخبرات في المجال الاقتصادي وتنويع المنتوجات حسب العرض والطلب في السوق المالية في ديار الإسلام.
ولا شك أن هذا التجمع الكبير فرصة لبحث أوجه النقص لدى بعض البلاد الإسلامية ليتم التكامل مع بعض البلاد الأخرى، وهذا من المنافع التي أمرنا الله أن نشهدها في الحج، وقد أشار خير الأمة وترجمان القرآن إلى هذا المعنى في تفسيره للمنافع في الآية.
آثار الحج فيمن أدى فريضته:
1-تجديد ذكر الله:
من آثار الحج في حياة المسلم الذي يؤدي فريضته أنه يقوي صلة المحبة بينه وبين خالقه، وذلك عن طريق شعار الحج المعلن ـ لبيك اللهم لبيك ـ، فيها يجدد المسلم ذكر الله في مواقع ومواقف متعددة، يصحب ذلك خشوع وخضوع للخالق البارئ سبحانه وتعالى، والمسلم بهذه التلبية يطرح كل شواغل الحياة وصوارفها التي تمنعه من القرب من خالقه طاعة وامتثالاً وخشوعاً وخضوعاً وتذللاً وإجلالاً ـ لبيك اللهم، لبيك لا شريك لك لبيك ـ.
2-في أداء مناسك الحج يذكر المسلم اليوم الآخر:
الحج مظهر مصغر ليوم الحشر والعرض على الله. ولذا تفيض في نفس الحاج بواعث الشوق للقاء الله ويدفعه للعمل الصالح وينشط في مجالات الخير وتنهزم بواعث المعصية في نفسه ويبقى ذكر الموت وما بعده بين عينيه، وفي هذا من الآثار العظيمة على السلوك والأخلاق ما يلمسه كل حاج مع نفسه ومع الآخرين.
3-نيل رضوان الله ومغفرته:
من آثار الحج في حياة المسلم الحاج أنه يرجع إلى بلده بإذن الله نقياً من الذنوب؛ لأنه تعرض لمغفرة الله ورضوانه ووقف مع من وقف في بابه يدعو ويرجو راغباً راهباً، وقد وعد الله من حج ولم يرفث ولم يفسق بالمغفرة والرضوان جاء ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) ).
4-يتعلم الحاج دروس التضحية والبذل: