وامتلأ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلقات الإقراء، يفتتحها النبي صلى الله عليه وسلم ويشرف على اختيار جِلَّة أصحابه لتوليها، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وكان أنصاريًا، قال: «كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل مِنا يعلمه القرآن، فدفع إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فكنت أُقرئه القرآن» .
وقد افتتح رضي الله عنه حلقة للقرآن الكريم بين أهل الصُّفَّة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال في ذلك: «علمتُ ناسًا من أهل الصُّفَّة الكتابة والقرآن» .
ويكفي دليلاً على سعة انتشار حلقات القرآن الكريم، وكثرة حفَّاظه من الصحابة في المدينة: إرسال النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الرابعة من هجرته المباركة سبعين من الصحابة - على الصحيح - كانوا يسمَّون بالقراء، إلى خارج المدينة لنشر القرآن وتعليمه، فقُتِلوا رضوان اللَّه عليهم عن آخرهم ببئر «معونة» ، وقنت النبي صلى الله عليه وسلم قبل الركوع شهرًا يدعو على مَن قتلهم، ثم تركه لمَّا جاءوا تائبين مسلمين. [رواه البخاري 2999]
وقد أورد البخاري في صحيحه - بثلاث رواياتٍ - سبعة من الحفَّاظ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم هم: عبد اللَّه بن مسعود، وسالم - مولى أبي حذيفة - ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد بن السكن، وأبو الدرداء، رضي اللَّه عنهم جميعًا.
وهذا الحصر عن الإمام البخاري للسبعة المذكورين آنفًا، لا يلزم منه أن سواهم لم يحفظ القرآن الكريم ولم يجمعه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، لا سيما وأنَّ الصحابة كُثرٌ، وقد تفرقوا في البلاد وحفظ بعضهم عن بعض. قال الإمام ابن حجر - رحمه اللَّه: ولا يلزم من ذلك ألا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن، بل كان الذين يحفظون مثل الذين حفظوه وأزيد، منهم جماعة من الصحابة.
وقال القرطبي: «وقد قُتل يوم اليمامة زمن الصدِّيق - فيما قيل - سبعمائة من القراء» .
[تفسير القرطبي 1/73]
نسأل الله عز وجل أن يرزقنا العناية بالقرآن حفظًا وعلمًا وتعليمًا وعملاً لعلنا نكون من أهل الله وخاصته. آمين.
والحمد لله رب العالمين.