تدعوه إلى الزنى، ومن العجب أنها مع الجمال والمنصب هي التي تدعوه إلى الفاحشة،
ولكن قوة الحياء من اللَّه تعالى تمنعه، ويقول: إني أخاف اللَّه، فكان الجزاء
من جنس العمل فأظله اللَّه في ظل عرشه يوم الفزع الأكبر.
قال القرطبي: قوله:
«إني أخاف اللَّه إنما يصدر ذلك عن شدة خوف من اللَّه تعالى ويقين وتقوى» .
[فتح
الباري 2/660]
7 ـ الحياء من مفاتيح الجنة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة» .
[رواه الترمذي (2009)
وصححه الألباني]
نماذج من أهل الحياء:
1 ـ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:
لقد كان
لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله
واليوم الآخر وذكر الله كثيرا [الأحزاب: 21] .
في الصحيحين
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في
خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه.
العذراء: هي المرأة التي لم
تتزوج وهي شديدة الحياء لأنها لم تتزوج وتعاشر الرجال فتجدها حيية في خدرها
(سترها) ، فرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أشد حياء منها. [شرح رياض الصالحين]
2 ـ نبي اللَّه
موسى عليه السلام:
في كتاب اللَّه عز وجل نرى هذا الموقف: فسقى لهما
ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي
من خير فقير (24) فجاءته إحداهما تمشي على استحياء
قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا
فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من
القوم الظالمين (25) قالت إحداهما يا أبت استأجره
إن خير من استأجرت القوي الأمين [القصص: 24- 26] .
قال
ابن عباس رضي الله عنهما: سار موسى عليه السلام من مصر إلى مدين ليس له طعام
إلا البقل وورق الشجر وكان حافيًا فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه وجلس في
الظل وهو صفوة اللَّه من خلقه، وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع وإن خضرة البقل
لترى من داخل جوفه وإنه لمحتاج إلى شق تمرة. [تفسير ابن كثير: 3/397]
فوجد
امرأتين فأحسن إليهما وسقى لهما الغنم وجلس يستريح في الظل يدعو اللَّه قائلاً:
رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير. فكانت إجابة
الدعاء سريعة، يقول تعالى: فجاءته إحداهما تمشي على
استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت
لنا، تمشي على استحياء مشية الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة
النظيفة حين تلقى الرجال على استحياء، في غير ما تبذل ولا تبرج ولا تبجح ولا
إغواء، جاءته لتنهى إليه دعوة في أقصر لفظ وأخصره يحكيه القرآن بقوله: إن
أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا.
هذا الحياء علم
المرأة طاعة اللَّه تعالى، وعلمت عن موسى عليه السلام الأمانة، ولذلك قالت
المرأة لأبيها: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت
القوي الأمين [القصص: 26] .
كيف نكتسب الحياء ؟
الحياء موجود في فطرة
الإنسان ويحتاج إلى أن ننميه في أقوالنا وأفعالنا، وذلك عن طريق:
جامع أوصاف
الحياء:
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من اللَّه
تعالى حق الحياء، قال: قلنا يا رسول الله إنا نستحي والحمد لله، قال: ليس ذلك،
ولكن الاستحياء من اللَّه حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، البطن وما حوى،
ولتذكر الموت والبِلَى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد
استحيا من اللَّه حق الحياء».
[صحيح سنن الترمذي وحسنه]
فالحياء من اللَّه
تعالى أن تحفظ الرأس وما وعى: يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات،
وحفظ البطن وما حوى: يتضمن حفظ القلب عن الإصرار على ما حرم اللَّه ويتضمن
أيضًا حفظ البطن من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب، ومن أعظم ما يجب
حفظه من نواهي اللَّه عز وجل اللسان والفرج. [جامع العلوم والحكم 206]
حياء
يرفضه الإسلام:
هناك صور يرفضها الإسلام لأنها ليست من الحياء في شيء، منها على
سبيل المثال:
1 ـ الحياء في طلب العلم:
في صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب أن أبا
موسى قال لعائشة رضي الله عنها: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي منك.
فقالت: سل ولا تستحي فإنما أنا أمك، فسألها عن الرجل يغشى ولا ينزل، فقالت عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنه إذا أصاب الختان الختان فقد وجب الغسل» . قال مجاهد: لا يتعلم
العلم مستحي ولا مستكبر، وقالت عائشة رضي اللَّه عنها: نعم النساء نساء
الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
[فتح الباري: 1/229]
2 ـ الحياء
من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن اللَّه ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك
إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن اللَّه عبدًا حجته قال: يا رب رجوتك وفرقت
من الناس». [رواه ابن ماجه وصححه الألباني]
معنى فرقت: خفت من الناس.
فإذا
رأيت مسلمًا يفعل منكرًا فلا يجوز أن تتركه يلقي بنفسه في النار بحجة أننا
نستحي أن ننكر عليه.