أيها المسلمون: ولم يكن الأناة والرفق وتسكين الأمور في الفتن سلوكا خاصا بابن عمر رضي الله عنهم، بل كان ذلك ديدن الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضى الله عنهم، وهذا سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه وهو أحد المبشرين بالجنة، ثبت عنه أنه قال لابنه حين حثه في القيام ببعض الأمور في الفتنة قال لابنه: (يا هذا! أتريد أن أكون رأسا في الفتنة، لا والله(2 ) ) .
بل وصل الأمر بسعد رضى الله عنه إلى أن أعتزل الناس حين وقعت الفتنة.
ولا شك أن سعدا وابن عمر وغيرهما من الصحابة رضوان الله عليهم تعلموا سلوك الأناة والرفق والنظر في الأمور من محمد صلى الله عليه وسلم الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه، وزكاه في محكم تنزيله لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم [التوبة:128] .
ومحمد صلى الله عليه وسلم لأناته وحسن تقديره لم يتعجل في تغيير بناء الكعبة، وهو القائل لعائشة رضي الله عنها: (( لولا حدثان قومك بكفر لهدمت الكعبة، ولبنيتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين(4 ) )).
والبخاري رحمه الله بوب على هذا الحديث بابا عظيما فقال: (باب من ترك بعض الأخبار مخافة أن يقصر الناس عن فهمه فيقعوا في أشد منه) .
معاشر المسلمين: وهل علمتم أن الحلم والأناة سبب للحفظ والبقاء، حتى وإن كان المحفوظ فاسقا أو كافرا؟
تأملوا في هذا الحديث الذى رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، وقد جاء فيه أن المستورد القرشي رضى الله عنه - وعنده عمرو بن العاص رضى الله عنه - (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس! قال له عمرو: أبصر ما تقول، قال المستورد: ومالي أنا لا أقول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمرو: إن كان كذلك فلأن في الروم خصالا أربعا، وعد منها: أنهم أحلم الناس عند الفتنة، وإنهم أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة ) )… وعد بقية الخصال الأربع.
قال أهل العلم: هذا كلام من عمرو بن العاص رضي الله عنه، لا يريد أن يثني على الروم والنصارى الكفرة .. كلا، ولكن ليبين للمسلمين أن بقاء الروم وكونهم أنهم أكثر الناس إلى أن تقوم الساعة، لأنهم عند وقوع الفتن أحلم الناس فهم لا يحملون ولا يعجلون ولا يغضبون، فيقوا أنفسهم ويقوا أصحابهم القتل (1) .
ومن العجب أن يتساهل المسلمون فيما نص عليه دينهم ويتشبث بها من حرفت كتبهم ونسخت أديانهم؟
أيها المؤمنون، وتشتد الحاجة للحلم كذلك حين تستأثر المشاعر، فتحتاج إلى التهدئة والتسكين، وحين تشعر النفوس بالضيم، فتتطلع إلى الانتصار وحين يشيع المنكر، فترتفع أسهم الغيرة لدين الله.
لكنها يجب أن تضبط بميزان الشرع وأن تحكم بالعقل، وأن تحلى بالحلم، وأن تجمل بالرفق ( وما كان الرفق في شىء إلا وزانه ) .
وعلى مسلمي اليوم أن يتذكروا أن الاستفزاز قديم، وأن العاقبة للمتقين إن هم صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا رب العالمين.
واقرؤوا القرآن الكريم وستجدون فيما أوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: وإن كانوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلاً سُنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلاً [الإسراء:76-77] .
وقال تعالى - في معرض الحديث عن صراع الحق والباطل بين موسى عليه السلام وفرعون - فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعاً وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً [الإسراء:103-104] .
أخوة الإسلام: ولا يعني الحلم والأناة تبلد الإحساس عن مصائب المسلمين، ولا موت المشاعر عن واقعهم المهين، ففئة تقتل أو تهجر - كما يحصل اليوم على أرض البوسنة والشيشان وغيرها - وربما مات الكثير من فقد الطعام والشراب، وفئة تؤذى أو تنفى أو تسجن أو تعذب كما في بلاد كثيرة من بلاد المسلمين.
وليس من الحلم والأناة إضاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتكاسل في الدعوى إلى الله بالحسنى، ولا القعود عن نصرة المظلومين، ومحبة المؤمنين، والبراءة من الكافرين، وبغض المنافقين، ولكن الحلم والأناة تريث وتعقل في الحركات، وتأن وعدم عجلة في التصرفات، ونظر محمود في العواقب، وتقدير وتغليب للمصالح والمفاسد، إنه كبح جماح، النفس والهوى، واستشارة لذوي العلم والفضل والنهى، بالحلم والأناة يسود العلماء، وبالحلم والأناة والرفق يصلح شأن الولاة والأمراء. (( اللهم من ولى من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتى شيئا فرفق بهم فارفق به ) ).
كذلك قال المصطفى صلى الله عليه وسلم (3) .
وتأملوا في عظيم هذه الحكمة التى أسداها واحد من سادات الحكماء ومن يضرب بحلمه وسؤدده المثل.
إنه الأحنف بن قيس رحمه الله، الذي يقال أنه كلم مصعب بن الزبير في محبوسين، وقال: أصلح الله الأمير إن كانوا حبسوا في باطل فالعدل يسعهم، وإن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم.