فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
8-الداعية هو الذي يؤثر ولا يتأثر، يؤثر في الناس بصدقه وإخلاصه وخلقه وعلمه وثباته ولا يتأثر بالمفاهيم الجاهلية التي يتعامل بها الناس أو يحتكمون إليها من إقليمية بغيضة وتعلق بالأشخاص، وموازين معوجة وصدق الله العظيم: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون [التوبة:85] . قال العلماء: تأمل كيف أن الله تعالى نهى المؤمن عن الإعجاب لأن الإعجاب هو تكريم لهم، وتكريمهم لا يجوز للحديث: (( لا تقولوا للمنافق سيدا، فإنه إن يكن سيدا فقد أسخطتم ربكم عز وجل ) ) ( [7] ) .
وفي شرح الحديث تحريم وصف المنافق بأوصاف الاحترام والتقدير، وأن وصفه بذلك يستدعي غضب الله عز وجل لأنه تعظيم لعدوه الخارج عن طاعته المستحق للإهانة والتحقير ( [8] ) .
9-الداعية هو الذي يحب الخير للناس كل الناس، ويعيش هموم المسلمين وأفراحهم، فهو عالمي الهم، عالمي الفرح يقول ابن عباس: إن فيّ ثلاث خصال: إني لآتي على الآية في كتاب الله فلوددت أن جميع الناس يعلمون ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح ولعلي لا أقاضي إليه أبدا، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين موجودة في كل مجلة أو صحيفة أو كلمة، وهو من أبعد الناس عن أداء دور فعلي جاد، لمعاجلة أو تخفيف مصائب الآخرين الذين يحيطون به وهذا دليل بلادة وانحراف، بلادة في الحس، وانحراف في الفهم.
وأما أدب الدعاة عند الاختلاف: فالناس يختلفون في نظرتهم إلى أي أمر فكل يراه من ناحية، فكان اختلاف الأقوال، وارد وهذا أمر قديم ولا ينكره منصف عارف، ولكن الذي ننكره هو اختلاف القلوب بسبب اختلاف الأقوال.
وما ينبغي أن يعلمه كل داعية إلى الله تعالى على وجه الخصوص هو:
جواز تعدد الصواب: الرجلان اللذان فقدا الماء فتيمما وصليا ثم وجداه فقام أحدهما فتوضأ وأعاد واكتفى الآخر بالصلاة الأولى، فلما عادا إلى الرسول قال للذي أعاد: (( لك الأجر مرتين، وقال للآخر أصبت السنة ) ) ( [9] ) .
إن هناك منكرا أصغر ومنكرا أكبر: وكل منكر أصغر إنما يستمد وجوده من المنكر الأكبر.
إنا دعاة لا قضاة: فالحكم على الناس بالكفر أو الإيمان من غير بينة أو إقرار أو أداء لواجب الدعوة مخالف لعقيدتنا يقول الإمام الطحاوي رحمه الله: (( ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ) ).
أن نستشعر خطر العدو المشترك فالكفر ملة واحدة بل يد واحدة، اليهودية تلتقي مع الصليبية مع الشيوعية ضد إسلامنا والله تعالى يدعونا أن نتخذ من الكفار قدوة في موالاة بضعهم لبعض قال تعالى: والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير [الأنفال:73] . أما المنازعات والمهاترات التي تقطع حبائل المودة فهذه لن تزيدنا إلا ضياعا إلى ضياع وذلا إلى ذل.
وأما أسباب الاختلاف: فكثيرة منها:
سوء التقدير والموازنة بين الأصول والفروع: دخل الإمام البنا ورأى المصلين يتنازعون في صلاة والتراويح منهم المصر على صلاة عشرين للأثر الثابت عن عمر ومنهم المصر على صلاتها ثماني لفعل المصطفى ولما كان هذا الباب باب تطوع والزيادة فيه جائزة كما نص على ذلك الشوكاني في كتابه، نيل الأوطار، قال لهم الإمام البنا أرى أن تصلوا العشاء ثم تغلقوا المسجد وكل يصلي في بيته ما شاء، فقالوا له: ولم؟ قال: لأن صلاة التراويح كلها سنة وأخوتكم فريضة فلا تهدر الفريضة لأجل السنة.
فقدان العالمية: إسلامنا لا يعرف الإقليميات ولا الانتساب إلى الطيب ولا اختلاف الألسن والألوان وإنما هو دعوة عالمية لكل البشر قال تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا [الأعراف:158] .
فقدان الشمولية: إسلامنا كل لا يتجزأ ولا يحل لأحد مهما كان له من علم أو دراية أن يقدم أو يؤخر أو يضخم جانبا على حساب جانب آخر قال تعالى: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا [البقرة:85] .
الأهواء: ومداخل الشيطان إلى قلب العبد لا يقف حائلا دونها إلا التقوى فإهمال المتقادم في وجوده فيما نحث عليه المبتدئ من صلاة وصيام وذكر واستغفار ومجاهدة للحديث: (( إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله خنس وإذا نسي التقم قلبه ) ) ( [10] ) . وللحديث: (( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم( [11] ) - فضيقوا مجاريه بالجوع )) ( [12] ) . وبغير هذه الرياض الروحية، يعرض العبد قلبه لسهام الشيطان، بل يزيده لجاجة وإضلالا، بتلبيسه حيث يوحي إليه بالقياس الفاسد ومعارضة النصوص بتأويلات ساقطة وحذلقة لا يقرها عاقل وصدق الله العظيم: وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا [الجاثية:9] . والحديث: (( إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم ) ) ( [13] ) .
( [1] ) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة .
( [2] ) النسائي .
( [3] ) رواه مسلم .
( [4] ) أصول الدعوة 446 .
( [5] ) متفق عليه.