فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ:يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ، انْظُرْ مَا تَقُولُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَا أُمَامَةَ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَاقْتَرَبَ أَجَلِي، وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَلا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَداً، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) (4) .
قال عمرو بن عبسة: (لقد رأيتني وأنا رُبْع الإسلام) (5) .
وهذا حديث جليل القدر ذكر طرفاً من سيرة المسلمين في مكة، وذكرته بكامله هنا لما ورد فيه من فضل هذا الصحابي الجليل وحسن إسلامه في تلك الفترة الحرجة، وكذا ما ورد فيه من فضائل أخرى.
وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: (لقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام) رواه البخاري.
لقد عاش المسلمون تلك المرحلة الأولى من حياتهم وهم يخشون من اطلاع قريش على أمرهم؛لأن ذلك سيُؤدِّي إلى مُواجهة الملأ من قريش لتلك الدعوة الناشئة التي تخالف واقعهم المشين تمام المخالفة، ولا تتفق معه إلا بمجرد ما كان عليه من بعض الأخلاق النادرة.. أما صُلْب العلاقات والنظرة إلى الآلهة واحتقار المرأة وإهانتها وإنكار الحياة الآخرة، فكان ذلك ديدنهم منذ دهر طويل! فإذا ما عرف القوم أن هذا الدين الجديد يقضي على كل ذلك، فكيف يكون شأن حامليه؟ لاشك أنهم سيعانون البلاء والنكد، وهذا ما تحقق بعد أن أذن الله لرسوله بالصدع بالحق، وبعد أن عرف المشركون من أسلم من الرجال والنساء جميعاً فأذاقوهم سوء العذاب.. فرضي الله عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الطيبين الطاهرين الذين سارعوا إلى الإسلام من أول وهلة، ورضي الله عن جميع الصحابة الذين أسلموا من بعدهم.
ولعل في هذه المرحلة من الدروس والعبر ما يفيدنا في هذا الزمن:
1.مشروعية الدعوة السرية في حال تكالب الكفر وأهله؛ وذلك إذا خشي المسلمون على أنفسهم ودينهم من الكفار؛ لأن المسلم إذا أظهر دينه الحق في بيئة كافرة أو ملحدة -كما كان الحال في البلاد التي تحكمها الأنظمة الإلحادية كالشيوعية في الاتحاد السوفيتي سابقاً أو الدول المجاورة لروسيا الآن- فلا شك أن الأذى سيصيبه.. فهذه الدول لا تمانع من التدين الزائف، ذلك التدين الذي لا يرفع من قيمة النفس شيئاً، بل هو خليط من عبادة القبور والذبح لها، وموالاة الكفار، وترك الصلاة، ثم يدعي أولئك أنهم مسلمون، أما أن يظهر المسلم الدين الذي كان عليه الصحابة من التوحيد الخالص، والتربية الصالحة، والدعوة إلى تحيكم شرع الله، ونبذ الطاغوت، فإن ذلك يكلف ثمناً باهظاً من الأموال، والأنفس، والدماء؛ لهذا يحسن في هذه الحال وفي مثل تلك الأنظمة الإلحادية أن تُمارَس تربية الشباب وتثقيفهم بحقائق الدين بطريقة سرية؛ حتى يتمكن الدعاة هناك من بناء قاعدة صلبة تحمل هذا الدين..
2.أن يبدأ المسلم بتربية نفسه وتزكيتها، ثم يدعو أهل بيته وأقاربه ويحثهم على التمسك بتعاليم الإسلام، إذ لا يحسن به أن يدعو الناس وأهلُه في الجهل والشرك والخرافة يغرقون، ولهذا قال -تعالى-: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } سورة التحريم:6.
2.فبدأ بالنفس ثم ثنى بالأهل، وهذا ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أول أمره، حيث أسلمت على يديه زوجه خديجة، ثم أقاربه كعلي بن أبي طالب وغيره.