فهرس الكتاب

الصفحة 2819 من 9994

و قد أجاب شيخ الإسلام على ذلك بقوله: إن جميع ما يحتج به النصارى من هذه الآيات - و غيرها - هو حجة عليهم لا لهم ، و ذلك من وجوه:-

الوجه الأول: أن الله لم يذكر عن المسيح خلقاً مطلقاً ، ولا خلقاً عاماً ، كما ذكر عن نفسه تبارك وتعالى ، في كثير من الآيات . وأما المسيح عليه السلام فقال فيه: { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني .. الآيات } و قال المسيح عن نفسه: { أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله .. الآيات } ، فلم يذكر إلا خلق شيء معين خاص بإذن الله ، فكيف يكون هذا الخالق هو ذاك ؟!

الوجه الثاني: أنه خلق من الطين كهيئة الطير ، والمراد به: تصويره بصورة الطير ، و هذا الخلق يقدر عليه عامة الناس ، فإنه يمكن لأحدهم أن يصور من الطين كهيئة الطير ، و غير الطير من الحيوانات ، والمعجزة أنه ينفخ فيه الروح فيصير طيراً بإذن الله عز وجل و ليس مجرد خلقه من الطين ، فإن هذا أمر مشترك .

الوجه الثالث: أن الله أخبر أن المسيح إنما فعل التصوير المحرم والنفخ بإذن الله تعالى ، و أخبر المسيح عليه السلام أنه فعله بإذن الله ، و أخبر الله أن هذا من نعمه التي أنعم بها على المسيح عليه السلام كما قال تعلى {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه و جعلناه مثلاً لنبي إسرائيل } [الزخرف/59] .

و قوله تعالى { يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد و كهلا ، و إذ علمتك الكتاب و الحكمة والتوراة و الإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني و تبرئ الأكمه و الأبرص بإذني و إذ تخرج الموتى بإذني } [المائدة/110] .

و هذا كله صريح في أنه ليس هو الله ، إنما هو عبد الله فعل ذلك بإذن الله كما فعل مثل ذلك غيره من الأنبياء ، و صرح بأن الآذن غير المأذون له ، و المعلِّم ليس هو المعلَّم ، و المنعم عليه و على والدته ليس هو إياه ، كما ليس هو والدته .

الوجه الرابع: إنهم قالوا: أشار بالخالق إلى كلمة الله المتحدة في الناسوت ، ثم قالوا في قوله { بإذن الله } أي بإذن الكلمة المتحدة في الناسوت ، و هذا يبين تناقضهم و افتراءهم على القرآن ؛ لأن الله أخبر في القرآن أن المسيح خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله ، ففرق بين المسيح و بين الله ، و بين أن الله هو الآذن للمسيح ، و هؤلاء زعمهم أن مراده بذلك أن اللاهوت المتحد بالناسوت المسيح هو الخالق ، و هو الآذن ، فجعلوا الخالق هو الآذن ، و هو تفسير للقرآن بما يخالف صريح القرآن .

الوجه الخامس: إن اللاهوت إذا كان هو الخالق لم يحتج إلى أن ياذن لنفسه ، فإنهم يقولون: هو إله واحد ، و هو الخالق ، فكيف يحتاج أن يأذن لنفسه و ينعم على نفسه ؟!

الوجه السادس: إن الخالق إما أن يكون الذات الموصولة بالكلام ، أو الكلام الذي هو صفة للذات ، فإن كان هو الكلام ، فالكلام صفة لا تكون ذاتاً قائمة بنفسها خالقة ، و لو لم تتحد بالناسوت ، واتحادها بالناسوت دون الموصوف ممتنع لو كان الاتحاد ممكناً ، فكيف و هو ممتنع ؟!

و إذا كان الخالق هو الذات المتصفة بالكلام ، فذاك هو الله الخالق لكل شيء رب العالمين ، و عندهم هو الأب ، و المسيح عندهم ليس هو الأب فلا يكون هو الخالق لكي شيء ، و القرآن يبيّن أن الله هو الذي أذن للمسيح حتى خلق من الطين كهيئة الطير ، فتبين أن الذي خلق من الطين كهيئة الطير ليس هو الله ، ولا صفة من صفاته ، فليس المسيح هو الله ، و لا ابن قديم أزلي لله ، و لكن عبده فعل بإذنه .

الوجه السابع: قولهم فأشار بالخالق على كلمة الله المتحدة في الناسوت المأخوذ من مريم لأنه كذا قال على لسان داود النبي: ( بكلمة الله خلقت السماوات و الأرض ) فيقال لهم: هذا النص عن داود حجة عليكم ، كما أن التوراة والقرآن و سائر ما ثبت عن الأنبياء حجة عليكم ، فإن داود عليه السلام قال: ( بكلمة الله خلقت السماوات و الأرض ) و لم يقل: إن كلمة الله هي الخالقة ، كما قلتم أنتم أنه أشار بالخالق إلى كلمة الله .

والفرق بين الخالق للسماوات والأرض و ين الكلمة التي بها خلق السماوات والأرض أمر ظاهر معروف ، كالفرق بين القادر والقدرة ، فإن القادر هو الخالق ، و قد خلق الأشياء بقدرته ، و ليست القدرة هي الخالقة .. فالله تعالى يخلق بقدرته و مشيئته وكلامه ، و ليس صفاته هي الخالقة .

الوجه الثامن: إن قول داود عليه السلام: ( بكلمة الله خلقت السماوات و الأرض ) يوافق ما جاء في القرآن و التوراة ، و غير ذلك من كتب الأنبياء ، إن الله يقول للشيء {كن فيكون} و هذا في القرآن في غير موضع و في التوراة قال الله: ( ليكن كذا ليكن كذا ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت