فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحمد لله رب العالمين، أمر أن لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل:"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث"صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد:
عياذا بك اللهم علام الغيوب، ومصرف القلوب من الهجر والقطيعة، والجفاء والحقد، والعداوة والتباغض والشحناء، ومن فتنة الشيطان، بالتحريش بين المؤمنين، وإغراء العداوة بينهم لأتفه الأسباب، ومحقرات الأمور، وهم الذين طهر الله قلوبهم بالإيمان، ونزع من صدورهم حظ الشيطان، بأدب السنة والقرآن، فشرع لهم السلام والمصافحة عند اللقاء، وأمرهم بإظهار التوادد والتحابب بينهم ليطمئن كل إلى أخيه، ويفضي إليه بسره، ويطلعه على خفي أمره، ويرى فيه خير نصيح ومعين على الحق، وتكاليف الحياة ومتاع الدنيا.
وَرُبَّ أَخٍ لم يُدْنِهِ منْكَ وَالِدٌ أبرُّ منَ ابْنِ الأمِّ عنْدَ النَّوَائبِ
وَرُبَّ بَعيدٍِ حَاضِرٍ لكَ نفْعُهُ وربَّ قريبٍ شاهدٍ مثل غائب"1"
أيها الأحبة: إن الأمة الإسلامية تعاني من أمراض عدة، تحاول أن تفتك بجسمها المتين، وتهد حصنها المنيع"الإسلام"، فالأعداء يعملون لليلًا ونهارًا على إضعاف هذا الجسم والفتك به بكل ما يقدرون عليه،ولا غرابة في هذا فهم الأعداء في السابق والحاضر، إلا أن الغريب أن تجد من أبناء المسلمين من يطعن في هذا الجسد وهو لا يدري، فالذي يهجر أخاه لأسباب دنيوية، أو أغراض نفسيه فوق ثلاث ليالٍ هو يطعن في هذا الجسد المليء بالطعنات، فالهجر يعمل على القطيعة بين أبناء الإسلام، ويفسد الأخوة المتينة، ويقطع العلاقة الحميمة، فيظهر الجفاء والحقد، وتزداد العداوة والبغضاء, ويُفتح الباب للشيطان ليعمل على التحريش بين المؤمنين.
نص الحديث:
عَنْ أبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنْ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:"لَا يحلُّ لمسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَياَلٍ يَلْتْقَيِاَنِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بالسَّلَامِ"2.
المعنى العام:
إن هجر المسلم يُعدُّ كبيرة شريطة أن يكون فوق ثلاث، وألا يكون لغرض شرعيٍّ؛ لما في ذلك من التقاطع والإيذاء والفساد، وقد وردت أحاديثُ كثيرة في هذا المعنى ومنها ما رواه أبو أيوب الأنصاري-رضي الله عنه- أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-,قال:"لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال،يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا،وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"3،وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-,قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار"4، وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال:"لا يكون لمسلم أن يهجر مسلمًا فوق ثلاثة،فإذا لقيه سلم عليه ثلاث مرار,كل ذلك لا يرد عليه فقد باء بإثمه"5، وعن أبي خراش السلمي-رضي الله عنه-أنه سمع رسول الله-صلى الله عليه وسلم يقول-:"من هجر أخاه سنة,فهو كسفك دمه"6.
فإذا زاد الهجر بين الإخوان فوق ثلاث كان حرامًا لما يترتب عليه من تفكك اجتماعي، وزيادة البغض والكراهية، والشحناء بين المتهاجرين، ويُستثنى من التحريم ما إذا عاد الهجر إلى صلاح دين الهاجر والمهجور وإلا فلا يجوز، وقد قاطع النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- والصحابةُ الكرامُ الثلاثةَ الذين خلفوا في غزوة تبوك، خمسين يومًا وليلة، حتى نزلت توبتهم من فوق سبع سموات,بعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت,وضاقت عليهم أنفسهم،قال-تعالى- يصور ذلك المشهد: { وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } التوبة: 118.
فإذا ترتب على هذا الهجر الزجر للمهجور عما وقع فيه من ذنب، وكان الهجر ردعًا له حتى يرجع إلى الصلاح والحق، فهذا فيه مصلحة،أما إذا لم تكن ثمة مصلحة،وكان الهجر يُؤدِّي إلى زيادة فساد المهجور وفسقه،وذهابه مع المفسدين فهذا ليس فيه مصلحة، وضرره أكبر من نفعه،فالمسلم العاقل يضع الأشياء في مكانها المناسب،ويتصرف تصرفًا يعود نفعه على المجتمع.
معاني الكلمات:
"لا يحل": أي لا يجوز.
"يهجر أخاه": أي يعتزل أخاه المسلم ويقاطعه دون عذر.
"يعرض هذا": أي يتنحى ويصرف وجهه عنه7.
شرح الحديث:
قوله-صلى الله عليه وسلم-:"لا يحل للمسلم أن يهجُر"بضم الجيم"أخاه"أي المسلم, وهو أعم من أخوة القرابة والصحبة"8". والهجر كما قال"المناوي": هو مفارقة الإنسان غيره، إما بالبدن, أو اللسان, أو القلب9.
قال"الإمام النووي":"يحرم الهجر بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال بالنص وتباح في الثلاث بالمفهوم، وإنما عفي عنه في ذلك؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب، وسوء الخلق، فسومح بذلك القدر ليرجع ويزول ذلك العارض."
وقال"أبو العباس القرطبي": المعتبر ثلاث ليال، حتى لو بدأ بالهجرة في أثناء النهار ألغى البعض وتعتبر ليلة ذلك اليوم، وينقضي العفو بانقضاء الليلة الثالثة. قال"ابن حجر":وفي الجزم باعتبار الليالي دون الأيام جمود. .... وفي رواية شعيب في حديث أبي أيوب بلفظ:"ثلاثة أيام"فالمعتمد أن المرخص فيه ثلاثة أيام بلياليها، فحيث أطلقت الليالي أريد بأيامها، وحيث أطلقت الأيام أريد بلياليها، ويكون الاعتبار مضى ثلاثة أيام بلياليها ملفقة، إذا ابتدئت مثلًا من الظهر يوم السبت كان آخرها الظهر يوم الثلاثاء10.
قال"الشيخ العثيمين":"لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام لكن فيما دون الثلاثة له أن يهجره، ولا ينبغي أيضًا، لكن له يهجره؛ لأن الإنسان ربما يكون بينه وبين أخيه شيء من وقفة الخواطر والشرف عليه، فيهجره، هذا رخص له النبي-صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أيام فقط، وبعد ذلك لا بد أن يسلم لكن إذا كان الهجر لمصلحة دينية، مثل أن يكون سببًا لا ستقامة المهجور، وتركه المعاصي فإنه لا بأس به، بل قد يكون واجبًا، وقد أمر الرسول-صلى الله عليه وسلم-بهجر كعب بن مالك -رضي الله عنه-وصاحبيه هلال ابن أمية، مرارة ابن الربيع، الذين تخلفوا في غزوة تبوك، ولما رجع النبي-صلى الله عليه وسلم-من الغزوة جاء المنافقون يعتذرون للرسول-صلى الله عليه وسلم-ويحلفون أنهم معذورون، فقال الله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} التوبة: 95-96."