قال ابن القيم:"فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنّوا به ظنّ السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظنّ لوحّدوه حقّ توحيده".
وقال أيضاً:"فالشرك ملزوم لتنقّص الربّ سبحانه، والتنقّص لازم له ضرورة، شاء المشرِك أم أبى، ولهذا اقتضى حمدُه سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره، وأن يخلّدَ صاحبَه في العذاب الأليم ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركاً إلا وهو متنقّص لله سبحانه".
6-أن التلبس به يوقع الفرد والمجتمع في ظلمات متراكمة:
إن أكبر الكبائر الإشراك بالله تعالى، ذلك لأن الشرك ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، وحجب متلاطمة لا يقرّ لها قرار، فهو يجعل الإنسان عبداً للمخلوق، وهو لا يعبد المخلوق إلا جلباً لفائدة أو دفعاً لضرر، فهو في الواقع عبد لمصلحته، وبالتالي هو عبد لنفسه، وعبادة النفس معناها أن الشخص غير صالح ليكون عضواً كريماً عاملاً على الرقي بالجماعة الإنسانية محققاً لسعادتها، بل هو على الضد من ذلك يكون عدواً للإنسانية، هادماً لأركانها، ساعياً في شقائها دون أن يدري؛ إذ إن الشرك يقلب الأوضاع، فيجعل الحقّ باطلاً، والباطل حقاً، والخالق مخلوقاً، والمخلوق خالقاً، وعلى هذا الأساس لا يمكن أن تبنى قواعد الجماعات على أسس سليمة، ذلك لأن العلاقات الإنسانية تكون مبنية على مستلزمات الشرك، وهي الجشع والتربص والحقد والكذب وسفك الدماء والعدوان والاستعباد والإذلال.
كل ذلك يؤدي إلى انفراط نظام العقد الإنساني الذي يتحوّل إلى فوضى لا ضابط لها ولا رابط، يسودها الخوف، ويخيّم عليها القلق، وتتخلّلها الحروب التي لا تنتهي، والتي تسببها الأطماع التي لا تنتهي، وحينئذ تصبح الحياة شقاء لا سعادة فيه، وجحيماً لا يطاق، يعذّب فيه البشر بعضهم بعضاً.
مدارج السالكين (1/368-369) .
إعلام الموقعين (1/180) .
إغاثة اللهفان (1/98) .
إغاثة اللهفان (1/99) .
إغاثة اللهفان (1/99) .
إغاثة اللهفان (1/101) .
انظر: دعوة التوحيد، لمحمد خليل هراس (72-73) .
ثامنا: سدّ الذرائع المفضية إلى الشرك:
جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بالتدابير الواقية من الوقوع في الشرك، فمن ذلك:
أ- التحذير من الوقوع في الشرك فيما يتعلق بذات الله سبحانه وأسمائه وصفاته:
1-التحذير من الوساوس والشكوك والأوهام:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( قال الله عز وجل: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولون: هذا الله خلَق الخلْق، فمن خلق الله؟ ) ).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟ ) ).
فهذا الشكّ إذا تمكّن في القلب يحصل الشرك في ذاته سبحانه، فحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في ذلك، وبيّن للناس كيفية اتّقائه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينتَهِ ) )، وفي رواية: (( فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله ) )، زاد في رواية: (( ورسله ) ).
2-التحذير من الكبر الذي هو حق الله تعالى:
عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته ) ).
قال النووي:"ومعنى (( ينازعني ) ): يتخلّق بذلك فيصير بمعنى المشارك، وهذا وعيد شديد في الكبر".
3-التحذير من التشبه بالله تعالى في الاسم الذي لا ينبغي إلا له وحده:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (( أخنع الأسماء عند الله رجل تسمَّى بملك الأملاك ) )، وفي لفظ: (( أغيظ رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك ) ).
قال النووي:"واعلم أن التسمي بهذا الاسم حرام، وكذلك التسمي بأسماء الله تعالى المختصة به كالرحمن والقدوس والمهيمن وخالق الخلق ونحوها".
ب- التحذير من الوقوع في الشرك في عبادة الله تعالى:
1-الإخبار بوقوع الشرك في آخر الزمان:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة ) )، وكانت صنماً تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبَد اللات والعزى ) )، فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظنّ حين أنزل الله: {هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف:9] أنَّ ذلك تاماً!! قال: (( إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبة فتوفّي كلّ من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم ) ).