فهرس الكتاب

الصفحة 3180 من 9994

في أحد لما حصل ما حصل مر بعض الصحابة بأنصاري يتشحط في دمه يتخبط في دمه على وشك الموت، قال هذا الصحابي للأنصاري أما شهدت أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد مات ، في هذا الموقف ماذا عساه أن يقول وهو في عداد الأموات تقريباً ؟ قال:"إن كان محمداً صلى الله عليه وسلم قد مات فقد بلّغ فموتوا على مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم".

جرأة وثبات في المواقف العصيبة، وهكذا كما قلت أمثلة كعبد الله بن حذافه السهمي وأمثلة أخرى كثيرة يطول ذكرها .

المحطة السادسة: الإستمرار والإبتكار

تريد أن تؤثر في الناس بمجرد أن تعقد لهم أسبوعاً تعظهم فيه .. لا نثقل عليهم في المحاضرات والدروس في الصباح والمساء ، ثم نقول أو يقول القائل لم يستجيبوا أو نحني عليهم باللائمة هؤلاء قوم لا يسمعون لا يستجيبون لا ينتفعون ، ليست المسالة موعظة واحدة وحسب وإنما استمرار: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ، وتنويع في الأساليب: { إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً } ، وقد قال الله - عز وجل - في قصة نوح: { ثم إني أعلنت وأسررت لهم إسراراً } ، نوّع في أساليب الدعوة ، وغيَّر وابتكر واستمر ألف سنة إلا خمسين عاماً ، أما أن نريد التأثير في الناس ونحن نقتصد من أوقاتنا ، ومن بعض جهودنا النذر اليسير ، ثم نقول ليس هناك تأثير هذا - لا شك - أنه أمر ليس مقبول ، لذلك العمل المنقطع يتبدد أثره والعمل المتكرر على نفس المنوال يبعث الملل ويُفقد الحماس ، أما تنويع الأساليب فهو باعث على التشويق ، ودليل على الإثراء ، وفيه تحريك للنفس وتنويع الأساليب والمداخل .

بعض الناس له مدخل بالدرس العلمي ، ويعظهم بالموعظة الإيمانية ويعظهم بالتربية السلوكية ، ويعظهم كذا ويعظهم كذا فلا بد من هذا كله ، فانظر إلى أثر الإستمرار الذي يقع به التغير .

وأضرب مثلاً لما سبق أن أشرت إليه، الإمام أحمد لما ثبت في المحنة ، بعد ذلك في فترة من الفترات منع أن يشهد مع الناس الصلاة وأن يتحدث إليهم، لم ينقطع لم يعتكف لم يترك بعد ذلك الإستمرار وإنما استمر حتى سبحان الله خليفة وبعده خليفة حتى أذن الله عز وجل أن يبارك في أثر جهده بهذا الإستمرار، وجاء بعد ذلك المتوكل واستجاب للسنة ومكَّن للإمام أحمد من أن يغيّر ما كان في الباطل ، وكانت بعد ذلك الصورة المغايرة لما كان قبل ذلك من الإعراض عن هدي الرسول - عليه الصلاة والسلام - وسنته .

وهكذا ينبغي أن ننوع كما نوّع النبي - عليه الصلاة والسلام - فقد ضرب الأمثال ، وقصّ القصص ، وصور بالأساليب الإيضاحية كما خط خطاً مستقيماً وعلى جانبيه خطوطاً مائلة ونوَّع في الأمثلة .كما في حديث الجدي الأسك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يشتري هذا بدرهمين ؟ ثم قال: من يشتريه بدرهم ؟ قالوا: يا رسول الله والله لو كان دون ذلك لما اشتريناه ، فقال: لهوان الدنيا على الله أهون من هذا على أحدكم .

وهكذا نجد التنويع في أساليب كلام النبي - عليه الصلاة والسلام - ونجد الإبتكار فيها ، وكذلك نحن نمت إلى عصر تنوعت فيه الظروف واختلفت فيه مجريات الحياه فينبغي أن ننوع ، وأن نستمر مع هذا التجديد الذي يحصل به الكثير من الفوائد التي نحتاج إليها .

المحطة السابعة: الإستغناء والعطاء

أن تستغني عما في أيدي الناس وتعطيهم مما عندك هذا هو أحد مفاتيح التأثير العظمى ، ونعلم أن القصص القرآني في دعوة الأنبياء قد جاء فيه قول الرسل والأنبياء في أن دعواهم لا يرجون من وراءها مالاً ولا أجراً منهم ، فقال الله - عز وجل - على لسان الأنبياء في ذلك قولاً واحداً: { وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري الا على رب العالمين } .

إذا علم الناس أنك تنظر إلى أموالهم أو أنك تنظر إلى شفاعتهم أو أنك تنظر لبناءهم ؛ فإنهم في الغالب لا يقبلون منك ولا يتأثرون بك ، لا بد أن تكون عندك غنية بالله - عز وجل- وغنية في عطاء الله عز وجل عما يتعلق بأيدي الناس، وقد كان النبي - عليه الصلاة والسلام - ما سئل شيئاً الا أعطاه اعط الناس من وقتك واعطهم من بسط وجهك واعطهم من ثاقب رأيك، واعطهم من سعيك في حلول مشكلاتهم واعطهم حتى من أموالك ومن بذلك وإحسانك ؛ فإن هذا لا شك أنه يؤسر القلوب، هذا صفوان بن أمية يقول:"ما كان أحدٌ أبغض اليّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يعطيني ويعطيني حتى ما أحد أحب لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وقد ورد في الصحيح من حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما سئل شيئاً الا أعطاه )

وجاء أعرابي فسئله فأعطاه النبي - عليه الصلاة والسلام - غنماً بين جبيلين ، فذهب الأعرابي إلى قومه، فقال: يا قوم اسلموا فإن محمداً يُعطي عطاء من لا يخشى الفقر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت