قوله: «فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك» . وفي رواية ابن أبي ذئب عن نافع «فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك» . أخرجه الدارقطني، وكذا ساقه المصنف من رواية قتادة، وعند مسلم من رواية يونس بن عبيد، وكذا في رواية طاووس، وكذا في رواية الشعبي، وزاد فيه الزهري كما في كتاب التفسير عن سالم أن ابن عمر أخبره.. فتغيَّظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الحافظ في الفتح: ولم أَرَ هذه الزيادة في رواية غير سالم، وهو أَجَلُّ من روى الحديث عن ابن عمر، وفيه إشعار بأن الطلاق في الحيض كان تقدم النهي عنه، وإلا لم يقع التغيظ على أمر لم يسبق النهي عنه. ولا يعكر على ذلك مبادرة عمر بالسؤال عن ذلك لاحتمال أن يكون عرف حكم الطلاق في الحيض وأنه منهي عنه ولم يعرف ماذا يصنع من وقع له ذلك. قال ابن العربي: سؤال عمر يحتمل أنهم لم يروا قبلها مثلها فسأل ليعلم، ويحتمل أن يكون لما رأى في القرآن قوله تعالى: ««فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» »، وقوله تعالى: ««يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» » أراد أن يعلم أن هذا قرءٌ أم لا؟ ويحتمل أن يكون سمع من النبي صلى الله عليه وسلم النهي فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك، وقال ابن دقيق العيد: وتغيظ النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إما لأن المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهرًا فكان مقتضى الحال التثبت (أي التريُّث) في ذلك، أو لأنه كان ينبغي مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك إذا عزم عليه.
قوله صلى الله عليه وسلم: «مره فليراجعها» قال ابن دقيق العيد: يتعلق به مسألة أصولية، وهي: أن الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك أم لا؟ ثم نقل ابن حجر في الفتح المسألة عن ابن الحاجب والخلاف في ذلك، وملخص المسألة كما أنهاها الحافظ في الفتح كما يلي:
تنقسم المسألة إلى صورتين:
1-إذا أمر الشارع مكلفًا أن يأمر غيره من المكلفين بأمر، كان الأمر بالأمر بالشيء أمرًا به، ويكون دور المأمور الأول مجرد التبليغ، ويجب على من يأمره امتثال الأمر، فإن لم يمتثله كان عاصيًا.
ومن أمثلة ذلك:
أ- قول النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث وأصحابه: «مروهم بصلاة كذا في حين كذا..» .
ب- قول النبي صلى الله عليه وسلم لرسول ابنته: «مرها فلتصبر ولتحتسب» . ونظائره كثيرة.
2-وإذا أمر الشارع مكلفًا أن يأمر غير مكلف بأمر فلا يكون ذلك أمرًا للمأمور الثاني. فإن امتثله فحسن، وإن لم يمتثله فلا حرج عليه، ومثله إذا كان الآمر غير الشارع.
ومن أمثلته:
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين» .
هل المراجعة واجبة؟
قال الحافظ: واختلف في وجوب المراجعة، فذهب إلى وجوبها مالك وهو رواية عن أحمد، وذهب الجمهور إلى أنها مستحبة، وهو المشهور عن أحمد، واحتج الجمهور بأن ابتداء النكاح لا يجب فاستدامته كذلك لا تجب، قال: لكن صحح صاحب الهداية من الحنفية أنها واجبة، قال: والحجة لمن قال بالوجوب ورود الأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرمًا في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة، قال: فلو تمادى الذي طلق في الحيض حتى طهرت (فهل يجبر على الرجعة؟) قال مالك وأكثر أصحابه يجبر على الرجعة أيضًا، وقال أشهب منهم - أي من المالكية- إذا طهرت انتهى الأمر بالرجعة، واتفقوا على أنها إذا انقضت عدتها فلا رجعة حينئذ، وكذا لو طلقها في طهر قد مسها فيه لا يؤمر بمراجعتها، كذا نقله ابن بطال وغيره. لكن الخلاف فيه ثابت قد حكاه بعض الشافعية، واتفقوا على أنه لو طلق قبل الدخول وهي حائض لم يؤمر بالمراجعة إلا ما نقل عن زفر فطرد الباب.
قوله صلى الله عليه وسلم: «ثم ليمسكها» أي يستمر بها في عصمته.
قوله صلى الله عليه وسلم: «حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر» كذا في معظم الروايات، وفي رواية محمد بن عبد الرحمن عن سالم بلفظ: «مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً» ، قال الحافظ في الفتح: وقد اختلف في الحكمة في ذلك.
قيل: الحكمة فيه أن لا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فإذا أمسكها زمانًا يحل له فيه طلاقها ظهرت فائدة الرجعة، لأنه قد يطول مقامه معها، فقد يجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها.
وقيل: إن الطهر الذي يلي الحيض الذي طلقها فيه كقرء واحد، فلو طلقها فيه لكان كمن طلق في الحيض، وهو ممنوع من الطلاق في الحيض، فلزم أن يتأخر إلى الطهر الثاني.
كذلك اختلف العلماء في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلق فيها؛ والحق أنه مأمور بإمساكها في هذا الطهر، ممنوع من طلاقها فيه فكيف يباح له أن يطلق فيه؟