فهرس الكتاب

الصفحة 3224 من 9994

أول هذه الأسباب التي تجنح بهذه العاطفة - أي عاطفة الغيرة -:ـ عدم قوة ورسوخ التربية الإيمانية إذ المؤمن الذي يتربى على خلال الإسلام ، وآداب هذا الدين ، يعلم أن آصرة الأخوة ، وأن أمر المحبة في الله - عز وجل - يقضي بألا يكون هناك هذا التنافر ، وتلك البغضاء ، وقد قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ، ولا تجسسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عباد الله إخوانا ) وبدأ في هذا الحديث بقوله ( إن الظن أكذب الحديث) أي بمجرد الظن السيئ الذي تسيء إلى أخيك به ؛ فإن هذا الظن يورث في النفس نوعاً من النفرة ويزرع بذرة من بذور البغض ليس هذا محلها ولا مكانها .

الأمر الثاني: عدم استحضار طبيعة الواقع الدعوي انظر إلى المجتمعات الإسلامية كم ترى فيها من الملتزمين شرع الله ، كم ترى فيها من الدعاة ، كم ترى فيها من العلماء ، ترى قلة وأنت تريد أن تجعل هذه القلة بصنيعك أقل من القليل ، فتفرق صفها ، وتشيع الفرقة بينها وتشوه صورتها لينفر الناس عنها ومنها ، وإذا بك في حقيقة الأمر تسيء إلى الدعوة ، ولا تستحضر أمر المواجهة والكيد الذي يحاك ، ويوجه للدعوة والدعاة ، على اختلاف اجتهاداتهم وتصوراتهم ، إن واقع العصر اليوم يدلنا على أن المسلم يعادى ويكاد له ويضطهد لمجرد كونه مسلماً ولو كان مسلماً بالاسم فكيف إذا كان مسلماً يعرف إسلامه ، ويلتزم شرع الله - عز وجل - ويدعو إليه ويريد أن يحي موات هذه الأمة ، وأن يرفع راية الجهاد فيها ؛ فإذا كان هؤلاء الدعاة على هذا القدم ، فإنهم ألد الأعداء ، وأعظم الخصوم ، بالنسبة لمن يحاربون هذا الدين ، فإذا كنت أنت بهذه الغيرة المنحرفة تساهم في ضربهم أو تشويههم ؛ فإنك كأنما أخذت معول الأعداء لتريحهم من بعض العناء ، كماورد عن بعض السلف أنه سمع أحدهم يجرح أخاً له فقال: هل قاتلت الترك ؟ قال:لا ، قال: هل قاتلت الروم ؟ قال: لا ، قال: هل قاتلت الهند ؟ قال: لا ، قال:أفيسلم منك أهل الروم والترك والهند ولا يسلم منك أخوك المسلم ؟ عجباً لأولئك القوم ، لم يسلم المسلمون من ألسنتهم ، ولم يسلموا أيضاً من التخطيط الذي يبدعون فيه ويبذلون فيه جهدهم لحرب إخوانهم وهم ليس لهم في مواجهة الأعداء أي جهد يذكر ، وبالتالي فهم في هذا يساهمون في هذه الخطورة العظمى .

ثالثاً: الأمراض النفسية من الكبر أو حب الذات والأنا أو الغرور ؛ فإن بعضاً من أولئك فيه علل مستعصية ، وأمراض سرطانية تحتاج إلى استئصال ، وما لم تستأصل ؛ فإن نفسه تدفعه وتقوده وتدعوه إلى مثل ذلك السلوك ، ومن ذلك أيضاً - وهو سبب مشترك كما سبق أن أشرت - عدم الفقه أو العلم ، يقول: الحق أحق أن يتبع ، ويقول: لا بد أن أهجره في الله ، ويقول: لا بد أن يكون هناك مفاصلة ، عجباً كيف توقع الأمور في غير موقعها ، وتنزل النصوص في غير ما هي مخاطبة به أو منطبقة عليه ؛ فإنك تجد أن مجرد اختلافه مع أخيه في رأي واحد ، أو في مسألة واحدة ، تجعله يبدعه أو يفسقه ، ويرى أن من الواجب الشرعي أن يهجره ، بل من الواجب الشرعي أن يحاربه ، هذا فقه سقيم ، وجهل مركب - كما يقال - فهذه بعض تلك الأسباب لانحراف الغيرة عن واقعها الصحيح ، وبالجملة ؛ فإن هذا الانحراف العاطفي واقع في صفوف الدعوة وشبابها ، وإحكامه يكون بالتربية الإسلامية والعلم الشرعي ، والإدراك الواقعي ، والقيادة الراشدة ، وليعلم العلماء والدعاة والخطباء أن مسئوليتهم مضاعفة ، فينبغي ألا يكونوا سبباً في توسيع شقة الخلاف أو إذكاء نار التباغض أو التحاسد أو غير ذلك ، وينبغي أن يعلم كل مسموع الكلمة أن كلمته يطيرها عنه المطيرون ، وينقلها عنه الناقلون ، ويفهمها عنه الفاهمون وغير الفاهمين وهو في آخر الأمر يدرك مثل هذا ، لكنه للأسف لا يلقي له بالا ، فإذا كان هناك شباب صغار ؛ فإن لهم كبار ، ولو توقعنا أنهم أخطأوا ، فلنا أن نغض الطرف عنهم ، أو أن نعتذر لهم بجهلهم ، لكنهم إن رجعوا إلى من يستشيرونه أو يقتدون به ، فوافقهم على خطأهم ، أو شجعهم عليه ، عرفنا أن تركيبة عقولهم ، وأن صيغة تربيتهم مبنية على أساس خاطئ ، ويكون الأمر حينئذً أكبر وأخطر ، فالصغير أو الجاهل يغتفر منه ما لا يغتفر من غيره ، فهذه بعض المعالم والملامح المتعلقة بأمر العاطفة والدعوة ، وأسأل الله - عز وجل - أن يعصمنا من الزلل ، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت