لم يأخذ أثنائها إجازة عرضية ولا مرضية ولا اضطرارية ، بقيَ إحدى عشرة سنةً متواصلةً يعاني ألم الغربة ولوعة البعاد كلُ ذلك في ذات الله حتى إذا حانت الفرصةُ عاد في السنةِ السابعةِ للهجرة.
عاد في السنة التي فتح فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) خيبر، وما يدريك ما فتح خيبر ؟
فتح حيبر كان بداية غنى للمسلمين، ما عرفوا الشبع إلا عندما فتحت خيبر.
فتحوا خيبر فكانت عزا للإسلام وفتحا للمسلمين، ولكن النبي (صلى الله عليه وسلم) يصف فرحة لقائه بجعفر فيقول:
( لا أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ) .
فرح النبي (صلى الله عليه وسلم) بقدوم جعفر فرحا شديدا حتى إن فرحه به يساوي فتح خيبر.
ولكن بما كافأ النبيُ (صلى الله عليه وسلم) هذا القادَمَ المولعَ بالغربة والبعاد، الذي أعطى للدين عشر سنواتً من الغربة لوعة وأسا، بما كافأه؟
هل أصدر مرسوما كريما بتعيينه أميرا على البلدة الفلانية؟
أم أصدر أمره السامي بتعيين المخصصات التالية: أولا قصر، ثانيا مخصصات شهرية منتظمة. ثالثا كل متع البلاط ثمنا للغربة والبعاد.من اللوعةِ والغياب والغربة.
هل اصدر أوامره بأن يمنح جعفر إجازة لبقية العمر فقد قدم ما عليه، وأدا للدين ما يكفي تقديمه وأداءه ؟
كلا، كلا! كافأه مكافأة من نوع آخر. ما هي؟
كافأه بأن أتاح له الفرصةً مرة أخرى ليعمل للدين ويقدم للدين.
هذه المكافأة التي يحسنها (صلى الله عليه وسلم) ويبتهج بها أصحابه.
فإذا به يعين في منصب النائب الأول للقائد الأعلى للقوات المسلحة المتوجهة إلى مؤته.
ويذهب حفيا بهذا المنصب، فرحا بفرصة المشاركة للعمل للدين، فحياته كلها أوقفت لله.
ليس فيها يوم يسمى إجازة من العمل للإسلام.
ويحدث له هناك العجب!
يقتل القائد الأعلى زيد ابن حارثة.
فتتحول المسؤولية إليه، فينزل عن فرسه فيعقرها فكان أول عقر في الإسلام.
ثم يتقدم والراية في يمناه، ينشد نشيد الداخل في الجنة:
يا حبذا الجنة واقترابها……طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنى عذابها……علي إن لاقيتها ضرابها
فتقطع يده اليمنى، فيتلقف الراية باليد اليسرى، فتقطع فيحتضنها بيديه، تنوشه الرماح، تقطعه السيوف، تضربه السهام، وكل ذلك وهو صابر لتبقى الراية مرفوعة.
حتى يتقدم منه جندي رومي فيقده بالسيف نصفين.
ثم يصف لنا عبد الله أبن عمر رضي الله عنهما كما في صحيح البخاري مشهد تلك الجثة المعطرة وذلك الإهاب الممزق فيقول:
( وقفت على جعفر يوم مؤتة وإن في جسده لبضعا تسعين ضربةً ليسَ بها واحدةُ في قفاه)
بضعا وتسعين ضربة كلها يتلقاها مقبلا غير مدبر، لم يعرف العدو له قفا ولا رأى له ظهرا.
إنها حياة عاملة للدين لا تعرف هدنة في المواجهة مع كل عدو للدين.
ثالثا/ العمل للدين ليس وقفا على فئة معينة:
من شبه الشيطان التي يرجف بها على كثير من المسلمين أنه يلقي في روعهم أنهم ليس من الفئة التي تعمل للدين، العمل للدين مسؤولية أصحاب اللحى الطويلة والثياب القصيرة.
العمل للدين مسؤولة الهيئات ورئاسات الإفتاء ومجموعة من الدعاة ذوي العمل الدعوي الجماهيري.
أما أنت فمصدر للتلقي يكفيك أن تصلي الصلوات الخمس، وتصوم رمضان وتحج البيت في العمر مرة.
هكذا يرجف الشيطان على البعض موسوسا:
ثم إنك تذكر يوم كذا وكذا ماذا فعلت ؟
ألا تذكر غدرتك ؟
ألا تذكر خطيئتك ؟
ألا تذكر ذنبك، أمثلك مؤهل لأن يعمل للدين بكل هذه الأقذار بكل هذه الخطايا، بكل هذه الذنوب؟
فما يزال الشيطان يلقي عليه قصيدة في هجائه، حتى يستشعر أنه ليس من الفئة التي تعمل للدين، إذ ليس هو أهلا لذلك.
أيها الأخ المبارك:
إن العمل للدين ليس مصنفا إلى شرائح وفئات.
فكل مسلم بانتمائه للإسلام عامل للدين، مهما كان عليه، ومهما كان فيه من خطئ ومهما اعتراه من تقصير فينبغي أن لا تضيفَ إلى أخطائِك خطاءً أخرَ وهو القعود عن العمل للدين.
وينبغي أن لا تضيف إلى ذنوبك إن كنت استوحشت من ذنوبك ذنبا آخر وهو خذلان العاملين للدين.
فأعمل معهم، فلعلَ عملك لدين أن يطفئ حرارة الذنوب وتكاثر السيئات.
وخذ لذلك مثالين أثنين أعرضهما عرضا سريعا:
أولا كعب ابن مالك:
ذلك الصحابي ارتكب خطاء بأنه لم ينفر مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والله يأمرهم أن ينفروا معه يقول:
( مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله، اثاقلتم إلى الأرض ) .
وقفل النبي (صلى الله عليه وسلم) راجعا من المعركة فجعل كعب يزوق في خاطره كلاما، ويجمع في نفسه أعذارا ليعرضها على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند المسائلة التي كان موقنا أنه سيُسائلها.
وإذا به يجد نفسه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستقبل هذا السؤال: يا كعب ما خلّفك؟
وإذا بكل هذه الأعذار تتبخر، وإذا بكل هذا الكلام يتلاشى، وإذ به لا يجد إلا الصدق.
فيقول يا رسول الله لم يكن لي من عذر.
فيجئ به حكم الله أن يخلف، فيقاطع لا يكلم فكانت حاله كما وصفها الله:
( ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم) .