فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقد أمرنا الله - جل وعلا- بالغضب إذا انتهكت محارم الله، فقال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) سورة النور (2) .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى، أو سمع ما يكرهه الله غضب لذلك غضباً يرى أثره على وجهه وقال فيه قوله، دخل صلى الله عليه وسلم مرة بيت عائشة - رضي الله عنها - فرأى ستراً فيه تصاوير فتلون وجهه وهتكه وقال:"إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور" (2) .
ولما شُكي إليه الإمام الذي يطيل بالناس في صلاة الفجر حتى يتأخر بعضهم عن الصلاة معه غضب واشتد غضبه، فقام ووعظ الناس ، وأمر بالتخفيف، فعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخر عن الصلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، قال فما رأيت الني صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال:"يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة" (3) .
ولما رأى النخامة في قبلة المسجد تغيظ، وتغير وجهه، ثم قام بحك النخامة بيده الشريفة، وقال:"إن أحدكم إذا كان في الصلاة، فإن الله حيال وجهه، فلا يتنخمنّ حيال وجهه في الصلاة" (4) . وقد جاء في صفته صلى الله عليه وسلم أنه ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما مالم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما أنتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله... (5) .
عباد الله: إن فقد قوة الغضب عندما تنتهك محارم لله جبن ضعف، يصير المرء به ذليلاً، حقيراً، لا يأنف من العار ولا يهمه، فلا يغضب لشرف ولا يغار لحرمه
وليس هو من الحلم في شيء، وإنما هو خور وذلة ودياثة، قال صلى الله عليه وسلم:"لن يدخل الجنة ديوث"قالوا: وما الديوث يا رسول الله؟ قال:"الذي لا يغار على أهله" (6) .
وقال سعد رضي الله عنه يا رسول الله لو وجدت مع أهلي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهدا؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"نعم"فقال: كلا والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم"اسمعوا إلى مايقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني" (7) .
وإذا لم يغضب الإنسان لعرضه ضاعت الأنساب، واختلطت الأولاد، بل كل أمة تموت الغيرة فيهم لا بد وأن تضيع العفة، والصيانة من نسائهم، وهذا هو الضعف والخور، والعجز والجبن، الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم وكيف لا يذم رجل لا يغضب لدينه إذا رأى المنكرات، وقد أمر بمحاربتها، وكيف يصلح المرء عيوب نفسه إذا لم يغضب عليها، ويشتد في ردها عن هواها (8) .
أيها المؤمنون:
إن الغضب المحمود أن يكون لله ولدين الله فإذا اعتدي على الإسلام بالطعن والتشهير أو التشكيك فيه،كما يفعل المستشرقون والمستغربون والملحدون، ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، الملبسون على الأغرار، والجهال فيجب أن نغضب انتصاراً لدين الله ودفاعاً عن شرعيته.
وما أكثر هؤلاء في أيامنا هذه، ممن يعتز بهم كثير من الناس
فإذا أصاخ بسمعة ملؤوه من كذب وتلبيس ومن بهتان
فيرى ويسمع فشرهم فشا يا محنة العينين والآذان
فتحوا جراب الجهل مع كذب فخذ واحمل بلا كيل ولا ميزان
وأتوا إلى قلب المطاع ففتشوا عما هناك ليدخلوا بأمان
فإذا بدا غرض لهم دخلوا به منه إليه كحيلة الشيطان
فإذا رأوه هش نحو حديثهم ظفروا وقالوا ويح آل فلان
فإذا هم غرسوا العداوة واظبوا سقي الغراس كفعل ذي البستان
حتى إذا ما أثمرت ودنا لهم وقت الجذاذ وصار ذا إمكان
ركبوا على جرد لهم وحمية واستنجدوا بعساكر الشيطان
فهنالك ابتليت جنود الله من جند اللعين بسائر الألوان
ضربا وحبسا ثم تكفيرا وتبعيدا وشتما ظاهر البهتان
ومن الغضب المحمود الغضب على من تعدى علي بلاد إسلامية، أو اعتدى على مسلم، أو مدح غير الدين الإسلامي، أو ذكر الله أو كتابه أو ملائكته أو رسله بسوء، أو سب صحابياً أو إماما مشهوراً بالتقوى والورع والاستقامة، أو طعن في أهل العلم، أو كذب على الله أو على رسله؛ أو أحل شيئاً من المحرمات أو حرم شيئاً مما أحله الله، أو استهان بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله وسلم أو كتب أهل العلم المحققين مثل الإمام أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة والموفق والمجد وابن أبي عمر وشيخ الإٍسلام وابن القيم وابن كثير وابن رجب وابن مفلح ونحوهم من العلماء المشهورين بالاستقامة والبعد عن البدع.