فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فنقول: نعم ، يقول ابن رجب -رحمه الله: عند شرحه لحديث:"لا تغضب"يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم والسخاء والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكف الأذى، والصفح والعفو، وكظم الغيظ، والطلاقة والبشر، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة، فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه. والثاني: أن يكون المراد: لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به، فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان كالأمر الناهي له، ولهذا المعنى قال الله تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ ) سورة الأعراف (154) فإذا لم يتمثل الإنسان ما يأمره به غضبه، وجاهد نفسه على ذلك، اندفع عنه شر الغضب، وربما سكن غضبه، وذهب عاجلاً، فكأنه حينئذ لم يغضب، وإلى هذا المعنى وقت الإشارة في القرآن بقوله تعالى: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) سورة الشورى (37) . وبقوله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) سورة آل عمران) 134).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر من غضب يتعاطى أسباب تدفع عنه الغضب وتسيكنه، ويمدح من ملك نفسه عند الغضب (18) .
ويمكن وصف العلاج على سبيل الاختصار بالآتي:
1.ذكر الله تعالى؛ فإن ذلك مما يدعوه إلى الخوف منه، وبالتالي طاعة الله، قال الله تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ) سورة الكهف42 قال عكرمة: يعني إذا غضبت.
2.أن يتفكر في الأخبار الواردة في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال فيرغب في ثواب ذلك، فتمنعه شدة الحرص على ثواب هذه الفضائل عن التشفي والانتقام، وينطفئ عنه غيظه؛ قال الله - تعالى-: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) سورة الشورى (37) . وقال تعالى: ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) سورة آل عمران 133-134).
وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كتم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين، يزوجه منها ما شاء" (19) .
3-أن يتذكر أن الله أقوى وأقدر منه إن مضى في ظلم الناس، وهو أن يقول: قدرة الله علي أعظم من قدرتي على هذا الإنسان ، فلو أمضيت فيه غضبي، لم آمن أن يمضي الله - عزوجل- غضبه علي يوم القيامة فأنا أحوج ما أكون إلى العفو؛ قال الله- تعالى-: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (20) سورة الشورى (40) .
وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي لما عفوت عني، فعف عنه لما ذكره قدرة الله - تعالى- (21) .
3.أن يعلم أن غضبه إنما كان من شيء جرى على وفق مراد الله - تعالى- لا على وفق مراده هو فكيف يكون مراد نفسه أولى من مراد الله - تعالى-.
4.أن يتحول عن الحال التي كان عليها، فإن كان قائماً جلس وإن كان جالساً اضطجع، وعليه أن يتوضأ أو يستنشق؛ فعن أبي ذر - رضي الله عنه- قال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لنا:"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" (22) .
5.أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فعن سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضباً قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لست بمجنون (23) .
6.أن يتحلى بأخلاق من عرف بالحلم وكظم الغيظ والصفح والعفو عن الناس كالأنبياء، وعلى رأسهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان لا ينتقم لنفسه صلى الله وسلم ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء (24) ، ولم يضرب بيده خادماً ولا آمره إلا أن يجاهد في سبيل الله (25) .