فهرس الكتاب

الصفحة 3446 من 9994

وقال رجل للحسن: بلغني أنك تغتابني، فقال: لم يبلغ قدرك عندي أن أحكمك في حسناتي.

ألا فاتقوا الله رحمكم الله، فطوبى لمن أمسك الفضل من قوله، ثم طوبى لمن ملك لسانه، ثم طوبى لمن حجزه عن الناس ما يعلم من نفسه، وطوبى لمن استمسك بتوجيهات كتاب ربه فتوجه إلى مولاه بقلب ضارع ولسان صادق وحب لإخوانه خالص: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإَيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر:10] .

[1] صحيح، أخرجه أحمد (4/421) ، وأبو داود: كتاب الأدب - باب في الغيبة، حديث (4880) ، والترمذي: كتاب البر والصلة - باب ما جاء في تعظيم المؤمن، حديث (2032) ، والطبراني في الأوسط (3778) ، قال الهيثمي: رجاله ثقات بجميع الزوائد (8/93، 94) ، وقال المنذري: إسناده حسن. الترغيب (3/169) . وصححه الألباني. صحيح أبي داود (4082) ، صحيح الترغيب (2339-2341) .

الخطبة الثانية

الحمد لله ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد، أحاط بكل شيء علمًا، وهو على كل شيء شهيد، وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو أقرب إلى عبده من حبل الوريد. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله نشر أعلام التوحيد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان من صالح العبيد، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

أيها المسلمون، من أخطر ما ذكر أهل العلم من أنواع الغيبة تلك التي تحصل بالقلب. قالوا: وذلك هو سوء الظن بالمسلمين. والظن هو ما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب، أما الخواطر وحديث النفس العابر فمعفوٌ عنه.

إنه ليس لك أن تظن بأخيك شرًا، ومتى خطر لك خاطر سوءٍ على مسلم فينبغي أن تزيد في مراعاته والدعاء له بالخير، فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك. وإذا تحققت هفوة من مسلم فانصحه ولا تفضحه. وسوء الظن يدعو إلى التجسس والتحسس. والقلب إذا ترك له العنان لا يقنع بالظن، بل يطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس وذلك منهي عنه لأنه يوصل إلى هتك ستر المسلم.

أيها الإخوة، والمستمع شريك للمغتاب ولا ينجو من الإثم إلا أن ينكر بلسانه، فإن خاف فبقلبه، وإن قدر على القيام فليقم أو ليقطع الكلام بكلام آخر.

ناهيك ـ عياذًا بالله ـ من يستمع ويصغي على سبيل التعجب ليزيد من نشاط المغتاب، ولقد قال علماؤنا رحمهم الله: إن التصديق بالغيبة غيبة، والساكت شريك المغتاب.

يا ترى أين هو المؤمن القوي ذو الشكيمة الذي يأبى أن يُغتاب أحدٌ في مجلسه، ويأبى أن تسمع أذناه عيب أخيه المسلم؟! يقول ابن المبارك رحمه الله: فِرَّ من المغتاب فرارك من الأسد.

أين هو المؤمن القوي الذي يقيم المغتاب من مجلسه أو يقوم عنهم ليدعهم في مجلسهم؟! كان ميمون بن سياه لا يغتاب أحدًا عنده، ينهاه فإن انتهى وإلا قام من المجلس.

يا عبد الله إن لكل الناس عورات ومعايب، وزلات ومثالب فلا تظن أنك علمت ما لم يعلم غيرك، أو أنك أدركت ما عجز عنه غيرك. هلا شغلك عيبك عن عيوب الناس؟ وهلا سلكت مسلك النصيحة وعدلت عن الفضيحة؟ وهل علمت أن من تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق؟

احفظ حق أخيك وصن عرضه، ففي الحديث: (( من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقًا على الله أن يعتقه من النار ) ) [1] ، وفي خبر آخر: (( من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال ) ) [2] .

(( ومن كانت عنده لأخيه مظلمة من عرضٍ أو مالٍ فليتحلله منها من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم؛ تؤخذ من حسناته، فإن لم يكن أخذ من سيئات صاحبه فزيد على سيئاته ثم طرح في النار ) ) [3] .

فاتقوا الله رحمكم الله وسارعوا إلى التوبة واستحلال إخوانكم، وجانبوا الغل والحقد والضغينة والشحناء.

[1] صحيح، أخرجه أحمد (6/461) ، وإسحاق بن راهويه في مسنده (1/184) ، والطبراني في المعجم الكبير (24/176) . قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، وإسناده أحمد حسن. المجمع (8/95) . وكذا حسّن إسناده المنذري في الترغيب (3/333) وانظر غاية المرام للألباني (431) .

[2] صحيح، أخرجه أحمد (2/70) ، وأبو داود: كتاب الأقضية - باب فيمن يعين على حقوقه .. حديث (3597) ، والطبراني في الأوسط (6491) ، وصححه الحاكم (2/27) ، وقال المنذري: رواه أبو داود واللفظ له والطبراني بإسناد جيد. المجمع (3/137) . وصححه الألباني. السلسلة الصحيحة (437) .

[3] صحيح، أخرجه البخاري: كتاب الرقاق - باب القصاص يوم القيامة، حديث (6534) بنحوه من حديث أ بي هريرة دون قوله: (( ثم طرح في النار ) )فقد وردت في الحديث الآخر عند مسلم: كتاب البر والصلة والآداب - باب تحريم الظلم، حديث (2581) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أتدرون من المفلس؟ ) )... الحديث، وفيه: (( فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت