فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 9994

خرج ابن عمر في سفر معه أصحابه فوضعوا سفرة لهم، فمر بهم راع فدعوه إلى أن يأكل معهم، قال: إني صائم، فقال ابن عمر: في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت بين هذه الشعاب في آثار هذه الغنم وأنت صائم؟ فقال: أبادر أيامي هذه الخالية! فعجب منه ابن عمر، فقال له ابن عمر: هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك ونطعمك من لحمها ما تفطر عليه، ونعطيك ثمنها، قال: إنها ليست لي إنها لمولاي، قال: فما عسيت أن يقول لك مولاك إن قلت أكلها الذئب؟ فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء وهو يقول: فأين الله؟ فلم يزل ابن عمر يردد كلمته هذه، فلما قدم المدينة بعث إلى سيد الراعي فاشترى منه الراعي والغنم، فأعتق الراعي وهب له الغنم.

نزل روح بن زنباع منزلًا بين مكة والمدينة في حر شديد فانقض عليه راع من جبل، فقال له: يا راع هلم إلى الغداء، قال: إني صائم، قال: أفتصوم في هذا الحر؟ قال: أفأدع أيامي تذهب باطلًا؟ فقال روح: لقد ضننت بأيامك يا راعي إذ جاد بها روح بن زنباع!!

وكان أبو الدرداء يقول: صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور!.

وفي الصحيحين: عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: لقد رأيتنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره في اليوم الحار الشديد الحر، وإن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما في القوم أحد صائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة. و في رواية: أن ذلك كان في شهر رمضان.

لما صبر الصائمون لله في الحر على شدة العطش والظمأ أفرد لهم بابًا من أبواب الجنة وهو باب الريان، من دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ بعدها أبدًا، فإذا دخلوا أغلق على من بعدهم فلا يدخل منه غيرهم.

ومن أعظم ما يذكر بنار جهنم: النار التي في الدنيا، قال الله -تعالى-: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} الواقعة:73. يعني: أن نار الدنيا جعلها الله تذكرة تذكر بنار جهنم.

مر ابن مسعود بالحدادين وقد أخرجوا حديدًا من النار فوقف ينظر إليه ويبكي. وروي عنه أنه مر على الذين ينفخون الكير فسقط.

وكان أويس يقف على الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير ويسمع صوت النار فيصرخ ثم يسقط. وكذلك الربيع بن خيثم.. وكان كثير من السلف يخرجون إلى الحدادين ينظرون إلى ما يصنعون بالحديد فيبكون ويتعوذون بالله من النار. ورأى عطاء السليمي امرأة قد سجرت تنورها فغشي عليه. قال الحسن: كان عمر ربما توقد له النار ثم يدني يده منها ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر؟!

كان الأخنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع إصبعيه فيه ويقول: حس، ثم يعاتب نفسه على ذنوبه.

نار الدنيا جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم!.

قال بعض السلف: لو أخرج أهل النار منها إلى نار الدنيا لقالوا فيها ألفي عام يعني أنهم كانوا ينامون فيها ويرونها بردًا.. كان عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد.. كان ابن عمر وغيره من السلف إذا شربوا ماءً باردًا بكوا وذكروا أمنية أهل النار، وأنهم يشتهون الماء البارد، وقد حيل بينهم وبين ما يشتهون، ويقولون لأهل الجنة: {أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} الأعراف:50

فيقولون لهم: {إن الله حرمهما على الكافرين} والمصيبة العظمى حين تطبق النار على أهلها وييأسون من الفرج وهو الفزع الأكبر الذي يأمنه أهل الجنة: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} الأنبياء:101.

لو أبصرت عيناك أهل الشقا ... سيقوا إلى النار وقد أحرقوا

شرابهم المهل في قعرها ... إذ خالفوا الرسل وما صدقوا

تقول أخراهم لأولاهم ... في لُجج المهل وقد أغرقوا

قد كنتموا خُوفِتمو حرها ... لكن من النيران لم تفرقوا

وجيء بالنيران مذمومة ... شرارها من حولها محدق

وقيل للنيران أن أحرقي ... وقيل للخُزَّان أن أطبقو3

أخي الكريم: كم يَلْفحُ حرُّ الصيف أناسًا فيتألمون منه ويتضايقون، ويستخدمون كافة المكيفات والمبردات لهذا الحر الذي هو فيح من حر جهنم! فكيف بها؟ ثم بعد ذلك لا يتذكرون ولا هم يعقلون، بل لقد وصل الحال بكثير من بني قومنا أنهم يتركون جو الجزيرة العربية الحار ويقضون عطلهم في البلدان الباردة في الشرق والغرب، ويا ليتهم يقضونها في السياحة المباحة، ولكن البعض منهم يذهب للفساد في الأرض.. ولا يسلم من ذلك إلا من عصمه الله وهداه.

فنسأل الله العلي الكبير أن يجعل ما في الكون من مصائب وأكدار وتقلبات تذكيرًا لنا بما في اليوم الآخر من الأحوال والأهوال، ونعوذ به من الغفلة عن الدار الآخرة.. إنه سميع مجيب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

1-رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة.

2-رواه البخاري ومسلم.

3-انظر كل ما سبق في لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي.. بتصرف كبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت