فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 9994

6 لا بد أن ندرك أن الأعداء يبذلون الكثير من المال من أجل نشر باطلهم والصد عن سبيل الله؛ فمن أجل تلكم الأزمة الاقتصادية دُفعت الأموال الطائلة للضغط على الأجساد والبطون، ولكنهم لم يجدوا إلى القلوب المؤمنة سبيلًا، وما زال الأعداء ولا يزالون ينفقون بسخاء في سبيل الظلم والطغيان ونشر الكفر والإلحاد وتشجيع الفجور والإباحية عن طريق المؤسسات الإعلامية والمؤسسات التنصيرية والمؤسسات الفكرية وغيرها؛ كل ذلك ليصدوا الناس عن الحق {إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} الأنفال: 36

وإذا كان أهل الباطل يبذلون الكثير من المال من أجل باطلهم وفجورهم فما بال الموسرين من المسلمين يمسكون ـ إلا ما شاء الله ـ عن الإنفاق في سبيل الله لنشر الحق ودعوة الحق ومواساة المعوزين من المسلمين؟ فالبذلَ البذلَ ـ أيها المسلمون ـ وإلا حق فينا قول الحق ـ جل ثناؤه ـ: {هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ومَن يَبْخَلْ فَإنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ واللَّه الغَنِيُّ وأَنتُمُ الفُقَرَاءُ وإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} محمد: 38.

ثانيا: نقض الصحيفة:

قال ابن إسحاق:"ثم إنه قام في نقض تلك الصحيفة التي تكاتبت فيها قريش على بني هاشم وبني المطلب نفر من قريش ولم يَبْلُ فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو؛ وذلك أنه ابن أخ نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه، وكان هشام لبني هاشم واصلًا، وكان ذا شرف في قومه فكان يأتي بالبعير وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلًا قد أوقره طعامًا حتى إذا أقبل به فم الشّعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبه فيدخل الشعب عليهم، ثم يأتي به قد أوقره بزًا فيفعل به مثل ذلك... ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ـ وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ـ فقال: يا زهير! أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟ أما إني أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدًا. قال: ويحك يا هشام! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد! والله! لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها. قال: وقد وجدتُ رجلًا. قال: من هو؟ قال أنا. قال له زهير: ابغنا رجلًا ثالثًا، فذهب إلى المُطعِم بن عدي، فقال له: يا مطعم! أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه؟ أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنها إليها منكم سراعًا. قال: ويحك! فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدتُ ثانيًا، قال: من هو؟ قال: أنا، قال ابغنا ثالثًا، قال: قد فعلتُ، قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، قال: ابغنا رابعًا. فذهب إلى أبي البختري بن هشام، فقال له نحوًا مما قال لمطعم بن عدي، فقال: ابغنا خامسًا. فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم! ثم سمى له القوم. فاتَّعدوا خطم الحجون ليلًا بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك، فأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في نقض الصحيفة حتى ينقضوها، قال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير بن أبي أمية وعليه حلة فطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة! أنأكل لطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم لا يباعون ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تُشَقَّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل ـ وكان في ناحية المسجد ـ: كذبت، والله! لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت ـ والله ـ أكذب؛ ما رضينا كتابتها حين كتبت. قال أبو البختري: صدق زمعة لا نرضى ما كتب ـ والله ـ فيها ولا نقر به. قال المطعم بن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك؛ نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوًا من ذلك، قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل تُشُووِر فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس في ناحية المسجد فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأَرضة قد أكلتها إلا: (باسمك اللهم) وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، فَشُلَّت يده ـ فيما يروُون. قال ابن هشام: وقد ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب:"يا عم! إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسمًا هو لله إلا أثبتته فيها ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان". فقال: أربُّك أخبرك بهذا؟ قال: نعم. قال: فوالله! ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش، فقال: يا معشر قريش! إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا فهلمَّ صحيفتَكم، فإن كانت كما قال ابن أخي فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عما فيها، وإن كان كاذبًا دفعت إليكم ابن أخي؛ فقال القوم: رضينا. فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزادهم ذلك شرًا؛ فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا"سيرة بن هشام""

الدروس المستفادة من هذه الحادثة:

1ـ لقد استطاع نفر من الناس بعمل يسيرٍ مواجهة أزمة دامت ثلاث سنوات خطط لها أصحابها وأحكموا تنفيذها ودعموا استمراريتها بكامل قواهم السياسية والاجتماعية. نعم لقد استطاعوا تخطي هذا المأزق الصعب وهم نفر قليل كانوا يعيشون وسط المجتمع نفسه، وذلك بالعزيمة القوية والتخطيط الدقيق؛ إذ لم يكن أحد من كبار القوم ومن أصحاب تلك المؤامرة الخبيثة يحلم بأنه سيأتي اليوم الذي تنتهي فيه هذه المؤامرة بمثل هذه السرعة وبمثل هذه المفاجأة؛ فقد وضعوا في حسابهم أنه لا يمكن لأحد أن يقف في وجه هذه القوة التي تحمي هذا القرار، وإن استطاع أن يقف في وجوههم فإنه لا يستطيع أن ينتهك قداسة القرار الذي علق في جوف الكعبة، ولكنهم نسوا أن الظلم مرتعه وخيم، وأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه. واليوم وبفعل الهزيمة النفسية التي أصابت المسلمين فإنه يقع مثل هذا الحصار من الدول الظالمة ولا يقوم أحد برد الظلم وتمزيق الصحيفة والانسحاب من القرار؛ بل لا يفكر الكثير من المسلمين حتى في مجرد المحاولة؛ لا أقول بالعنف ولكن بالحوار والحل السلمي وهو الأسلوب الذي ينادون به حينما تكون القضية في صالحهم؛ فأين الذين يفكرون في قضايا إخوانهم المسلمين ويتفاعلون مع همومهم ويدركون معنى قول الله ـ تعالى ـ: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } الحجرات:10.

2.إن الحكمة وحسن التخطيط من أساسيات الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ وكم نحن في حاجة إليه؛ لأن العشوائية وارتجال المواقف والتكبر عن طلب النصح والمشورة قد جنت الدعوة من ويلاتها العلقم المر حتى أصبح التخطيط والتنظيم ضرورة دعوية على مختلف المستويات لا يكاد يختلف عليها اثنان ممن يعرفون طبيعة الدعوة ومخططات أعدائها؛ وخصوصًا في مثل هذا العصر المشحون بالفتن والمغريات، ومع ذلك فإن هناك ـ للأسف الشديد ـ من لا يكتفي بعدم القناعة بهذا؛ بل يشكك فيه ويحاربه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت