ومن هنا، تسابق المؤمنون إلى ميادين الجهاد ورغبوا في الشهادة، ولا غرابة أن يلقي أحدهم تمرات كانت معه ويقول: (لئن أنا بقيت حتى آكل هذه التمرات، إنها لحياة طويلة) ولا غرابة كذلك أن يتسابق إلى المرابطة في الثغور وهم يسمعون المصطفى يقول: (( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان ) )رواه مسلم في صحيحه.
ولهذا قال أبو هريرة: (لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ولهذا كان الرباط في الثغور أفضل من المجاورة بمكة والمدينة، والعمل بالرمح والقوس في الثغور أفضل من صلاة التطوع".
أيها المسلمون، حقًا إن في الجهاد في سبيل الله رفعاً لذل الأمة المسلمة، وما فتئ المسلمون منذ غابت عنهم هذه الفريضة الإسلامية يتمرغون في أوحال الذل والتبعية ويسومهم العدو سوء العذاب، وتلك ـ وربي ـ واحدة من أعلام نبوة محمد وهو القائل: (( إذا تبايعتم بالعينة ـ وهي صورة من الربا ـ وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ) )رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح.
ومن هنا يَفْرَقُ [1] أعداء الملة من الجهاد ويتخوفون كثيرًا من المجاهدين الصادقين، ويعمدون إلى تشويه صورة الجهاد ورمي المجاهدين بأبشع الألفاظ، وتكاد صيحات المجاهدين وتكبيرهم تقطع أنياط قلوبهم وإن كان استعدادهم ضعيفًا، وإذا لم يستغرب هذا من الأعداء، فإن المؤسف والمستغرب حقًا أن تروج مثل هذه الشائعات في بلاد المسلمين، وتتسلل هذه الأفكار المحبطة للجهاد والمشوهة لصورة المجاهدين عند بعض أبناء المسلمين، ويتردد في الإعلام العربي والإسلامي مفاهيم خاطئة عن الجهاد وأهدافه وعن المجاهدين وصولتهم.
عباد الله، والجهاد في سبيل الله طريقنا إلى العز والتمكين في الدنيا، وهو طريق موصل إلى الجنة والنعيم في الآخرة؛ فالجنة تحت بارقة السيوف، والجنة تحت ظلال السيوف، كما قال محمد عليه الصلاة والسلام.
ترى، كم نحدث أنفسنا بالجهاد، وهل نتخوف على أنفسنا من النفاق حين لا نغزو ولا نحدث أنفسنا بالغزو؟ وفي الحديث الصحيح قال: (( من لم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق ) )قال عبد الله بن المبارك:"فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله"، وقال غيره:"والظاهر الموافق للسنة الصحيحة عموم ذلك ولا دليل على هذا التخصيص".
عباد الله، هل نستجيب لنداء ربنا وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ وَمِن رّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60] ، ترى هل يشعر المسلم مِنْ أجناد المسلمين أنه حينما ينخرط في الجيش إنما يربي نفسه ويعدها للجهاد في سبيل الله، وهل تقوم الاستعدادات في الجيوش في الدول الإسلامية والعربية على تنشئة أفرادها على الجهاد في سبيل الله وقمع الكفر ونشر الإسلام في أقطار المعمورة.
ذلكم توجيه ربنا وهدي محمد عليه الصلاة والسلام.
عباد الله، ومن هنا تبدو خطورة تناسي الجهاد وعدم تحديث النفس به، ويرحم الله أقوامًا وأممًا كانت تنام وتستيقظ على أخبار الجهاد، وترابط الشهور بل الأعوام في الثغور؛ لحماية أمة الإسلام، ونشر دين الله ما بلغ الليل والنهار.
وفي سنن المرسلين وسيرهم عليهم السلام همم عالية للجهاد؛ وفي صحيح البخاري باب"من طلب الولد للجهاد"وبالسند المتصل ساق الحديث عن النبي قال: (( قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين، كلهن تأتي بفارس، يجاهد في سبيله. فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون ) ).
قال الحافظ ابن حجر ـ يرحمه الله ـ في قوله:"باب من طلب الولد للجهاد"أي ينوي عند المجامعة حصول الولد ليجاهد في سبيل الله، فيحصل له بذلك أجر وإن لم يقع ذلك"."
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لاَّ يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [النساء:95، 96] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
[1] الفَرق: الخوف، وقد فَرِق منه. (مختار الصحاح، مادة: فرق) . ... ... ...