لقد بذلوا أموالهم ، وسفكوا في أول الأمر دماءهم ، وتعاظمت معهم المعونة من قبل أولياءهم وحلفاءهم ، ولا بد أن نوقن بأنه لا يمكن أن يكون تغيير ذلك بغير ذلك !
لكننا ننظر إلى الجانب الآخر .. إلى جانب العدو الذي تكبّد خسائر لم يتكبد مثلها في الحروب التي خاضها كلها مع جيوش ودول كاملة ومنظّمة .
يكفينا أن نشير إلى بعض الإحصاءات المذكورة خلال هذه الفترة القصيرة: ثلاثة عشر ألف وخمس مائة عملية جهادية منوعة ، أوقعت ألفاً وسبعة عشر قتيلاً ، وأكثر من خمسة آلاف جريح ، وأوقعت فيهم بعد ذلك ما هو أفظع وأنكى وأشد .. إنه ما أشارت إليه الآية في قوله تعالى: { وقذف في قلوبهم الرعب } .
إنهم يعيشون خوفاً دائماً ، وهلعاً فضيعاً ، أقضّ مضاجعهم ، وأذهب نومهم ، وملأ العيادات النفسية بالمراجعين منهم .. إن قضايا النصر لا تبدو في صورها المادية النهائية ، بل هي بالحقيقة متدرجة ، تبدأ بالقلق والخوف ثم تمرّ بالحيرة والاضطراب ، ثم تنتهي إلى الخور والاستسلام ، وتلك المراحل هي التي تمرّ بها كل معركة ومواجهة .
لننظر إلى حالهم وواقعهم .. لننظر إلى الحقائق والأرقام ، وقد سئل بعض اليهود فأجاب بما لا يجيب به بعض أبناءنا من العرب والمسلمين .. قيل له: ولكننا نقتل منهم أكثر مما يقتلون ! قال:"إن الأعداد في مثل هذه المواجهة غير موضوعية ، لقد قُتل من الأمريكان خمسون ألفاً وقتلوا من الفيتناميين ثلاثة ملايين ، وخرجوا خاسرين ، وقُتل من الفرنسيين بضعة آلاف ، وكان شهداء الجزائر نحو مليون ، ولكنهم كانوا منتصرين !".
وهكذا ؛ فإن القضية ليست قضية الأعداد والأرقام ، ولكنها قضية القوة والمعنوية والثبات وما في النفوس من طمأنينة ، تراها رغم كل هذا الهول في نفوس إخواننا الذين تركوا تعلقهم بالناس ، وربطوا حبالهم برب الناس .
إنهم لم يعودوا ينتظرون اليوم منا حتى دعم مادي ، وقد انقطع ذلك إلا ما رحم الله .. لم يعودوا ينتظرون منا اليوم دعماً سياسياً ، ولم تعد هناك إلا البيانات والبيانات .. لم يعودوا - فضلاً عن ذلك - ينتظرون أن يقف أحد إلى جوارهم في خندقهم ، ولذلك ننظر إلى هذه المعالي ، وننظر إلى قادة الكبار عند الأعداء وهم يقرون بأن المعضلة كبيرة .
أما الاقتصاد فهو في تدهور مستمر ، وأما البطالة فهي في زيادة مضطربة ، وأما السياحة فقد صارت أثراً بعد عين ، وأما الأمن فإنه لم يعد متوفراً في أي شبر في تلك الأرض وأي بقعة منها .. ولذلك نرى هذه الصورة صورة واضحة ، تؤيدها اللفتة القرآنية الثالثة:
قال تعالى: { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون الله ما لا يرجون }
جرحٌ هنا وجرٌح هناك .. قتلٌ هنا وقتلٌ هناك .. لكن هنا إيمان ، واحتساب وأجر ، وتكفير سيئات: ( ما يصيب المسلم من همٍّ ولا غمٍ ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها عنهم خطاياه ) ذلك ما يؤمن به إخواننا ..
وهنا قتيل وهناك قتيل .. لكن هذا شهيد ، وذاك إلى جهنم وبئس المصير .
يقين لا بد أن يكون راسخاً في نفوسنا وقلوبنا ، بموجب آيات ربنا ، وأحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم ، وتلك قضية واضحة ظاهرة في قضايا الألم الذي يشعر به الطرف الآخر ، والعناء الذي يقاسيه ، والخوف الذي يسيطر عليه ؛ حتى إنه قد ارتفعت نسب المراجعين للعيادات النفسية بنسبة 50% في كل عام عن الذي قبله ، وتزيد نسبة البطالة بنسبة 4.18 % في كل عام عن الذي قبله ، وتزيد نسب أخرى كثيرة توجع العدو ، ولولا ما يلقاه من دعم ويصب له من مالٍ ، ويقع له من خياناتٍ ، وتقدّم له من معلومات لكان الأثر أكثر وأعظم ولكنها إرادة الله سبحانه وتعالى .
وها هم يعترفون بذلك ، والأرقام تشهد به ، والحقائق تدل عليه .. لقد أصبحوا - كما يقول بعضهم -:"في دائرة دموية مفرغة ، لا يمكن الخروج منها .. الناس لا يخرجون من بيوتهم خوفاً من العمليات الاستشهادية ، الجمهور متعب ومرهق ومتشائم ، وإسرائيل وقوتها لا تستطيع أن تفعل شيئاً !".
"إن طريقة مواجهة أجهزة الأمن الإسرائيلية للانتفاضة لم تخفق فقط ، بل إنها أدت إلى انتقال حمى العمليات الاستشهادية إلى فصائل لم تتبنها من قبل ، وحصلت إسرائيل على عكس النتائج التي راهنت على تحقيقها".
تلك أقوالهم في صحفهم - ومن قبل خبرائهم - والروح المعنوية مختلفة تماماً 50% زيادة استهلاك المهدئات والأدوية النفسية ، والصدمة في كل حادث من تلك الحوادث والعمليات الجهادية يكون عدد المصابين أربعة أضعافهم ، مصابون بما يعرف بالصدمة والخوف والهلع ، ويراجعون المستشفيات ، ويُحملون في الإسعافات مثل الذين أصيبوا بالجراحات ..
معدل الخوف رصد من خلال الدراسات العلمية في أشهر ثلاثة متتالية - ليس في هذا العام بل فيما قبله - وكانت النسب 57% ، ثم 68% ، ثم 78%