فهرس الكتاب

الصفحة 3731 من 9994

قال: هي صاحبة الشكال ، قلت: أي شكال ؟

قال: سبحان الله ما أسرع ما نسيت !! أما تذكر المرأة التي أتتك البارحة وأعطتك الكيس والشكال ؟؟

قلت: بلى ، قال: هي أمي ، أمرتني أن أخرج إلى الجهاد ، وأقسمت عليَّ أن لا أرجع ..

وإنها قالت لي: يا بني إذا لقيت الكفار فلا تولهم الدبر ، وهَب نفسك لله واطلب مجاورة الله ، ومساكنة أبيك وأخوالك في الجنة ، فإذا رزقك الله الشهادة فاشفع فيَّ

ثم ضمتني إلى صدرها ، ورفعت رأسها إلى السماء ، وقالت: إلهي وسيدي ومولاي ، هذا ولدي ، وريحانةُ قلبي ، وثمرةُ فؤادي ، سلمته إليك فقربه من أبيه ..

سألتك بالله ألا تحرمني الغزو معك في سبيل الله ، أنا إن شاء الله الشهيد ابن الشهيد ، فإني حافظ لكتاب الله ، عارف بالفروسية والرمي ، فلا تحقرَنِّي لصغر سني ..

قال أبو قدامة: فلما سمعت ذلك منه أخذته معنا ، فوالله ما رأينا أنشط منه ، إن ركبنا فهو أسرعنا ، وإن نزلنا فهو أنشطنا ، وهو في كل أحواله لا يفتر لسانه عن ذكر الله تعالى أبداً ...

إذ رأيت قصراً يتلألأ أنواراً لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وإذا شُرفاته من الدرّ والياقوت والجوهر ، وأبوابه من ذهب ، وإذا ستور مرخية على شرفاته ، وإذا جوار يرفعن الستور ، وجوههن كالأقمار ..

تقدم يرحمك الله فإذا في أعلى القصر غرفة من الذهب الأحمر عليها سرير من الزبرجد الأخضر ، قوائمه من الفضة البيضاء ، عليه جارية وجهها كأنه الشمس ، لولا أن الله ثبت علي بصري لذهب وذهب عقلي من حسن الغرفة وبهاء الجارية ..

فلما رأتني الجارية قالت: مرحباً بولي الله وحبيبه .. أنا لك وأنت لي

فلما اقتربت منها قالت: .. ..

فجالت الأبطال ، ورميت النبال ، وجردت السيوف ، وتكسرت الجماجم ، وتطايرت الأيدي والأرجل ..

واشتد علينا القتال حتى اشتغل كلٌ بنفسه ، وقال كل خليل كنت آمله ..

فالتفت أبو قدامة إلى مصدر الصوت فإذا الجسد جسد الغلام

وإذا الرماح قد تسابقت إليه ، والخيلُ قد وطئت عليه

فمزقت اللحمان ، وأدمت اللسان

وفرقت الأعضاء ، وكسرت العظام ..

وإذا هو يتيم ملقى في الصحراء

قال أبو قدامة: فأقبلت إليه ، وانطرحت بين يديه ، وصرخت: هاأنا أبو قدامة .. هاأنا أبو قدامة ..

فقال: الحمد لله الذي أحياني إلى أن أوصي إليك ، فاسمع وصيتي

قال أبو قدامة: فبكيت والله على محاسنه وجماله ، ورحمةً بأمه ، وأخذت طرف ثوبي أمسح الدم عن وجهه

فقال: تمسح الدم عن وجهي بثوبك !! بل امسح الدم بثوبي لا بثوبك ، فثوبي أحق بالوسخ من ثوبك ..

قال أبو قدامة: فبكيت والله ولم أحر جواباً ..

فقال: يا عم ، أقسمت عليك إذا أنا مت أن ترجع إلى الرقة ، ثم تبشر أمي بأن الله قد تقبل هديتها إليه ، وأن ولدها قد قتل في سبيل الله مقبلاً غير مدبر ، وأن الله إن كتبني في الشهداء فإني سأوصل سلامها إلى أبي وأخوالي في الجنة ، ..

ثم قال: يا عم إني أخاف ألا تصدق أمي كلامك فخذ معك بعض ثيابي التي فيها الدم ، فإن أمي إذا رأتها صدقت أني مقتول ، وأن الموعد الجنة إن شاء الله ..

يا عم: إنك إذا أتيت إلى بيتنا ستجد أختاً لي صغيرة عمرها تسع سنوات .. ما دخلت المنزل إلا استبشرت وفرحت ، ولا خرجت إلا بكت وحزنت ، وقد فجعت بمقتل أبي عام أول وفجعت بمقتلي اليوم ، وإنها قالت لي عندما رأت علي ثياب السفر:

يا أخي لا تبطئ علينا وعجل الرجوع إلينا ، فإذا رأيتها فطيب صدرها بكلمات ..

ثم تحامل الغلام على نفسه وقال: يا عمّ صدقت الرؤيا ورب الكعبة ، والله إني لأرى المرضية الآن عند رأسي وأشم ريحها ..ثم انتفض وشهق شهقتين ، ثم مات ..

قال أبو قدامة: فلما دفناه لم يكن عندي هم أعظم من أن أرجعَ إلى الرقة وأبلغَ رسالته لأمه ..

قدمت هذه المرأة الصالحة كل ذلك في سبيل أن تدخل الدار التي اشتد شوقها إليها ،

وقدم ولدُها نفسَه رخيصةً لله ، وتناسى لذاتِه وشبابه ، فليت شعري ماذا قدم للجنة المفرطون أمثالُنا ؟!

رحم الله فتى هذب الدين شبابه

ومضى يزجي إلى العلياء في عزم ركابه

مخبتاً لله صير الزاد كتابه

وارداً من منهل الهادي ومن نبع الصحابة

إن طلبت الجود منه فهو دوماً كالسحابة

أو نشدت العزم فيه فهو ضرغام بغابة

جاذبته النفس للشر فلم يبد استجابة

متقٍ لله تعلو من يلاقيه المهابة

رقّ منه القلب لكن زاد في الدين صلابة

بلسم للأرض يمحو عن محياها الكآبة

ثابت الخطو فلم تُطف الأعاصير شهابه

جرّبته صولة الدهر فألفت ذا نجابة

إن يقم يوماً خطيباً يُسمعُ الصمَّ خطابَه

أو يسر في الدرب يوماً أبصر الأعمى جنابه

مسلم يكفيه فخراً أن للدين انتسابه

المشتاقون إلى الجنة ، ارتفع قدرها عندهم ، حتى لم يرضوا لها ثمناً إلا أرواحَهم التي بين جنوبهم ..

ولماذا لا يبذلون للجنة ذلك وأكثر

وهي الدار التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأقل أهلها نعيماً ، وأدناهم ملكاً فكان له في ذلك نبأ عجيب ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت