فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 9994

أيها المسلمون: إن من حسن المعاملة والعشرة مع الزوجة، أن يكون الصبر والتحمل من أخلاق الرجل، فهو أقوى من المرأة تحملًا، والمرأة ضعيفة، وقد يكون منها الخطأ، لكن تحمّلُ الرجل وصبره هو المطلوب منه، فإنه القيّم عليها، وما دام القيم فلابد من صبر وتحمل، فيقول النبي-عليه الصلاة والسلام-: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر) 14، لا يبغضها ويكرهها فإن أخلاقها قد يكون فيها خلق سيء، لكنها تشتمل على خلق طيب، وهكذا حال الإنسان، فالكمال في المخلوق غير ممكن، لا من الرجل ولا من المرأة، فإن كرهت منها خلقًا من الأخلاق فلابد أن ترتضي منها خلقًا غيره، وأما إذا كنت تعاتب على كل نقص، وتريد الكمال في كل الأحوال، فذاك طلب المستحيل، ومن كثر عتابه قلّ أصحابه.

إذا كنت في كل الأمور معاتبًا صديقك لم تلقى الذي لا تعاتبه

واعلم -عبد الله-: أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها، إقتداءً برسول الله-صلى الله عليه وسلم-,فقد كانت أزواجه يراجعنه الكلام، وتهجره الواحدةُ منهن يومًا إلى الليل15.

فيبين ذلك بوضوح جلي فيقول فيما ترويه عائشة-رضي الله عنها-: (خيركم خيركم لأهله) ثم قال: (وأنا خيركم لأهلي) ,فمحمد خير الناس لأهله،صبرًا وتحملًا وإكرامًا,ومعاملة بالحسنى، آلى شهرًا منهن لما حصل منهن ما حصل، ومع هذا كان يعاملهن بالحسنى، وتخبر عائشة لما سئلت: ماذا كان يفعل في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله"16، فهو من أحسن الناس خلقًا،وأحسنهم تعاملًا -صلوات الله وسلامه عليه- أبدًا دائمًا إلى يوم الدين. فاتقوا الله عباد الله في النساء، فأحسنوا عشرتهن، وأدوا حقوقهن، واستوصوا بهن خيرًا."

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي كان بعباده خبيرًا بصيرًا،والصلاة والسلام على من جعله ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.

أما بعد:

أيها المسلمون:إننا في زمان فسدت فيه الأخلاق، وساءت العشرة بين الزوجين, فالزوج يتعدى على زوجته،فيسئ معاملتها, بل يصل به الحال إلى إهانتها، وضربها، على وجهها, وقد جاء النهي عن الضرب في الوجه؛ لأن الضرب في الوجه فيه إهانة وإذلال، ووجه الإنسان أشرف أعضائه الظاهرة، فلا يجوز تشويهه بضربه، ونهاه أن يقبِّح أي: يقول كلمة قبيحة، نحو: قبَّحكِ الله أو غيره من الألفاظ البذيئة، فإن الألفاظ السيئة تجرح القلب أعظم من الضرب، ولذا يقول الله-جل وعلا-: {وَقُل لّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّا مُّبِينًا} الإسراء: 53، ونهاه عن الهجران إلا في الفراش، فإذا أراد هجْرها هجَرها بترك المبيت معها، وأما هجرٌ بترك الكلام والمحادثة,فهذا نهى عنه النبي-صلى الله عليه وسلم-، فبقاؤها معه من دون حديث يزيد في الجفاء، ويبعد كلًا منهما عن الآخر، فإن الأحاديث الودية مما يُكسب القلب محبة ومودة، وأما إذا لم يكلمها ولا يلتفت إليها، فلا يسمع منها قولًا، ولا يُسمعها قولًا، فهذا أمر نهى عنه النبي-صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه يحدث تصدُّعًا في الحياة الزوجية، وبعد كلٍ منهما عن الآخر، والله-تعالى-يقول: {وَعَاشِرُوهُنَّ بالْمَعْرُوفِ} النساء: 19، وقال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذالِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوً} البقرة:231، فالله-تبارك وتعالى-أرشد الرجل إذا طلق المرأة، وأراد العود إليها، فليكن بقصد الإصلاح، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ،وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي: قاربن انقطاع العدة، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي: استرجعوها لتكون الرجعة بالمعروف أي: ناويًا العشرة بالمعروف، لا جاعلًا الرجعة سببًا للعذاب والألم، أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ فدعها تنقضي عدتها، ولعل الله أن يعوضها خيرًا ويعوضك خيرًا، وأما إمساك لأجل الإضرار والظلم والعدوان، فهذا نهى الله عنه بقوله: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ} أي: لا تمسكوهن ضرارًا لأجل أن تعتدوا عليهن، أو أن تظلمها وتسيء إليها، فذاك محرم في شريعة الإسلام، والعدوان قد نهى الله عنه، ولا يحلّ للرجل أن يعتدي عليها بالإيذاء والإضرار، فذاك أمر لا يليق بالمسلم السامع والمطيع لله ورسوله.

أيها المسلمون: إن الزوجة فراش زوجها, وموضع سره، وأسيرة بيته، إنها موطن المودة والرحمة التي قال الله عنها: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الروم: 21, إنها موضع قضاء وطره,وإعفاف نفسه، إنها طاهية طعامه, وكانسة منزله، ومنظفة ملابسه،ومرتبة حاله،ومربية أولاده، فهل أدرك كل هذه الأبعاد؟ إن كثيرًا من الأزواج لم يعد يأبه بزوجته فلم يتق الله في أهله، ولم يرع العهود التي بينه وبين زوجه، فيسيء تعاملها، فيظلمها، ويهينها، ويضربها، ويعمل على أذيتها كأنها عدو داخل بيته، فعليكم عباد الله بالرفق واللين مع زوجاتكم، ومزيدًا من حسن التعامل، ولطف العشرة.

ثم اعلموا- عباد الله-أن حسن الخلق مع الزوجة, لا يعني أن يتساهل المرء في حق من حقوق الله... وعليه أن لا يوافق هواها إذا جمح بها عن دائرة المعروف وأخرجها إلى دائرة المكروه والمحرم .. بل عليه أن يقفل باب المنكرات في بيته فإنه مسؤول عن ذلك .

قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} التحريم: من الآية6 .

وقال-سبحانه وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ** إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} التغابن:14-15 وقال عزوجل: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} النساء: من الآية34.

وقال-عليه الصلاة والسلام-في الحديث المتفق عليه: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته... والمرأة راعية على بيت زوجها وولدها .. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) 17.

عباد الله:اتقوا الله في نسائكم،فإنهن أمهات أولادكم،فلا تظلموهن،ولا تضربوهن،بل أحسنوا معاملتهن بالعشرة الحسنة، والأخلاق الفاضلة،وصبروا عليهن فإنهن عوان في أيديكم أخذتموهن بأمانة الله,واستحللتم فروجهن بكلمة الله.

اللهم أصلح مجتمعاتنا،وحسن أخلاقنا،وأصلح زوجاتنا،ووفقنا لما تحبه وترضاه.

والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه،

والحمد لله رب العالمين،،،

1 -راجع: تفسير ابن كثير (1/368) .

2 -البخاري، (3153) .

3 -فتح الباري (6/368) .

4 -صحيح مسلم (2/1091) (1468) .

5 -سنن الترمذي (1163) . وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (929) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت