فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 9994

وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلّ قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا! لم يسترح ولم يسكن، ولم يعش لنفسه ولا لأهله. قام وظل قائمًا على الدعوة إلى الله تعالى يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به، عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة كلها، عبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى، عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عامًا. لا يلهيه شأن عن شأن من خلال هذا الأمد منذ أن سمع النداء العلوي الجليل، وتلقى منه التكليف الرهيب.. جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء. [5] وليست الأوراق الآتية إلا صورة مصغرة بسيطة من هذا الجهاد الطويل الشاق الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال هذا الأمد.

يمكننا أن نقسم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية إلى ثلاث مراحل:-

1.مرحلة الدعوة السرية، ثلاث سنين.

2.مرحلة إعلان الدعوة في أهل مكة، من بداية السنة الرابعة من النبوة إلى أواخر السنة العاشرة.

3.مرحلة الدعوة خارج مكة، وفشوها فيهم، من أواخر السنة العاشرة من النبوة إلى هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

معلوم أن مكة كانت مركز دين العرب، وكان بها سدنة الكعبة، والقوام على الأوثان والأصنام المقدسة عند سائر العرب، فالوصول إلى المقصود من الإصلاح فيها يزداد عسرًا وشدة عما لو كان بعيدًا عنها.

فالأمر يحتاج إلى عزيمة لا تزلزلها المصائب والكوارث، كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية، لئلا يفاجئ أهل مكة بما يهيجهم.

وكان من الطبيعي أن يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام أولًا على ألصق الناس به وآل بيته وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا إليه كل من توسم فيه خيرًا ممن يعرفهم ويعرفونه؛ يعرفهم بحب الخير، ويعرفونه بتحري الصدق، والصلاح.

فأجابه من هؤلاء - الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم وجلالة نفسه وصدق خبره- جمع عرفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين. الأولين، وفي مقدمتهم زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن ثابت بن شرحبيل الكلبي، وابن عمه علي بن أبي طالب وكان صبيًا يعيش في كفالة الرسول وصديقه الحميم أبوبكر الصديق. أسلم هؤلاء في أول أيام الدعوة.

وأصبح كل واحد منهم أمة لوحده يدعو إلى الله تعالى فهذا أبوبكر بعد أن أسلم نشط في الدعوة إلى الإسلام، وكان رجلًا مألفًا محببًا سهلًا، ذا خلق ومعروف. وان رجال قومه يأتونه ويألفونه، لعلمه وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان الأموي، والزبير بن العوام الأسدي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله التيمي. فكان هؤلاء الذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام.

ومن أوائل المسلمين بلال بن رباح الحبشي، ثم تلاهم أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم المخزوميان، وعثمان بن مظعون، وأخواه قدامة وعبد الله. وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وسعيد بن زيد، وامرأته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر، وخباب بن الأرت، وعبد الله بن مسعود وخلق سواهم، وأولئك هم السابقون الأولون، وهم من جميع بطون قريش وعدهم ابن هشام أكثر من أربعين نفرًا. [6]

قال ابن إسحاق: ثم دخل الناس في الإسلام أرسالًا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به.

أسلم هؤلاء سرًا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يجتمع بهم ويرشدهم إلى الدين متخفيًا؛ لأن الدعوة كانت لا تزال فردية وسرية، وكان الوحي قد تتابع وحمي بعد أن فتر، وبعد نزول أوائل المدثر. وكانت الآيات وقطع السور التي تتنزل في هذا الزمان قصيرة، ذات فواصل رائعة، تشتمل على تحسين وتزكية النفس، وتقبيح تلويثها برغائم الدنيا، تصف الجنة والنار كأنهما رأي عين، تسير بالمؤمنين في جو آخر غير الذي فيه المجتمع البشري آنذاك.

وإلى هنا انتهى الدرس الأول ويليه الدرس الثاني بمشيئة الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين..

[1] - سيرة ابن هشام 1/263.

[2] - في ظلال القرآن 29/166-167.

[3] - صحيح البخاري كتاب العلم (1/2) .

[4] - فتح الباري (1/27) .

[5] - في ظلال القرآن تفسير سورة المزمل والمدثر (29/168-171) .

[6] - سيرة ابن هشام (1/245) وما بعدها.

دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - في المرحلة المكية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد:-

ذكرنا في الدرس الماضي مقدمة عن بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونزول الوحي، وانتشار الإسلام سرًا، فالدعوة كانت سرية وفردية لكن بلغت أنباءها إلى قريش، بيد أنها لم تكترث بها، ولعلها حسبت محمدًا -صلى الله عليه وسلم-أحد الديانين الذين يتكلمون في الألوهية وحقوقها، كما كان يصنع أمية بن أبي الصلت وقُس بن ساعدة، وعمرو بن نفيل وأشباههم، إلا أنها توجست خيفة من ذيوع خبره وامتداد أثره، وأخذت ترقب على الأيام مصيره ودعوته.1

مرت ثلاث سنوات والدعوة لم تزل سرية وفردية، وخلال هذه الفترة تكونت جماعة من المؤمنين تجمعهم الأخوة والتعاون، وتبليغ الرسالة وتمكينها من مقامها. وخلالها كان المسلمون يجتمعون سرًا في دار الأرقم بن أبي الأرقم ولم يكونوا يؤدون كثيرًا من الشرائع سوى الصلاة, ركعتين في الغداة وركعتين بالعشي مصداقًا لقوله تعالى: (( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ) ) (غافر55) وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، واستمروا كذلك حتى تنزل الوحي يكلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمعالنته قومه، ومجابهة باطلهم ومهاجمة أصنامهم

وتبدأ مرحلة جديدة - من مراحل الدعوة في مكة؛ مرحلة الدعوة الجهرية، وكان أول ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ) (الشعراء214)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت