فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 9994

وتفيد بعض الروايات أن الوليد لما رد عليهم كل ما عرضوا له قالوا: أرنا رأيًا لا غضاضة فيه فقال لهم: أمهلوني حتى أفكر في ذلك، فظلّ الوليد يفكر ويفكر حتى أبد لهم رأيه الذي ذكر آنفًا فأنزل الله فيه ست عشرة آية من سورة المدثر ، خلالها صور كيف فكر وقدر، قال تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ( ) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( ) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( ) ثُمَّ نَظَرَ ( ) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ( ) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ( ) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( ) إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ( ) .. الآيات).

ٍ وبعد اتفاق مجلسهم الأعلى على هذا القرار أخذوا في تنفيذه فجلسوا بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره. وتولى أبو لهب كبر ذلك فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبع الناس إذا وافى الموسم في منازلهم وفي عكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى الله وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب... إلا أن السحر انقلب على الساحر وباء سعي أبي لهب بالخسران وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.

واستمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله في كل مكان ووقت لا يفتر أبدًا، وقريش تفكر في أمره مرة وأخرى حتى تلخصت أساليبهم لقمع هذه الدعوة فيما يلي:-

1.السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب والضحك،يقصدون بذلك تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي - صلى الله عليه وسلم - بتهم ساقطة، وشتائم سفيهة، فكانوا ينادونه بالجنون. (( وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) ) (الحجر6) ويصمونه بالسحر والكذب (( وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) ) ( ص-4) وكانوا يشعيونه ويستقبلونه بنظرات ملتهبة ناقمة، وعواطف هائجة (( وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ) ) (القلم51) وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه استهزؤوا بهم وقالوا: هؤلاء جلساؤه (( مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ) ) (الأنعام53) فقال تعالى جوابًا عليهم: (( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) ) (الأنعام53) .

2.تشويه تعاليمه وإثارة الشبهات حولها, وبث الدعاوى الكاذبة، ونشر الإيرادات الواهية عنها، وحول وشخصيته، والإكثار من كل ذلك بحيث لا يبقى للعامة مجال في تدبر دعوته، والتفكر فيها فكانوا يقولون عن القرآن (( وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) (الفرقان:5) وكانوا يقولون: (( إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) ) (النحل103) وكانوا يقولون عن الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ ) ) (الفرقان: 7) وما إلى ذلك من نماذج كثيرة للردود عليهم.

3.ومن الأساليب أيضًا معارضة القرآن بأساطير الأولين فقد ذهب النضر إلى الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم وأسفنديار فكان إذا جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسًا للتذكير بالله والتحذير من نقمته خلفه النضر يقول: والله ما محمد بأحسن حديثًا مني، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني5 وتفيد رواية ابن عباس أن النضر كان قد اشترى قينتان، فكان لا يسمع برجل مال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا سلط عليه واحدة منها تطعمه وتسقيه وتغني له حتى لا يبقى له ميل إلى الإسلام وفيه نزل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} (6) سورة لقمان.

4.المساومات:

حاولوا بها أن يلتقي الإسلام والجاهلية في متصف الطريق فعرضوا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدون إلهه سنة فأنزل الله سورة الكافرون.

فلما لم تنفع كل هذه الوسائل أجمعت قريش أمرها واجتمعت وكونت لها ما يسمى بلجنة المشاورات أعضاؤها خمسة وعشرون رجلًا من سادات قريش رئيسها أبو لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد تشاور هذه اللجنة خرجت بقرار وهو أن لا تألوا جهدًا في محاربة الإسلام، وإيذاء رسوله وتعذيب الداخلين فيه والتعرض لهم بألوان النكال والإيلام6 فأما بالنسبة للمسلمون ولا سيما المستضعفون منهم فكان ذلك في حقهم سهلًا جدًا. وأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان رجلًا شهمًا وقورًا ذا شخصية فذة تتعاظمه نفوس الأعداء والأصدقاء بحيث لا يقابل مثله إلا بالإجلال والتشريف ولا يجترئ على اقتراف هذه الدنايا والرذائل في حقه إلا أرذال الناس وسفهاؤهم، وهو مع ذلك كان في منعة أبي طالب، وأبو طالب من رجال مكة المعدودين عظيمًا في حسبه وأصله، ومعظمًا بين الناس، فما يجسر أحد على إخفار ذمته. ولذلك فقد أقلق هذا الوضع قريشًا قلقًا كبيرًا.

وبدأت مرحلة أخرى في العداء وهي مرحلة الاعتداء الظاهر التآمر الخفي ضد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى رأس القوم أبو لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن حمراء الثقفي. فكان أحدهم يطرح عليه رحم الشاه وهو يصلي، وهو - صلى الله عليه وسلم - يقول لهم: يا بني عبد مناف أي جوار هذا؟ ثم يلقيه في بالطريق. ووضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره وهو ساجد فدعا عليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلم يسلم منهم أحد يوم بدر. وكلما ازداد أعداء الله - عز وجل - إيذاءً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين زاد تمسكهم أكثر وتثبتهم بمنهجهم وعقيدتهم..

ونقف هنا وسنذكر بقية الاضطهادات التي حصلت للصحابة - رضي الله عنهم - في الدرس القادم بمشيئة الله - تعالى-، والحمد لله رب العالمين..

1-فقه السيرة ص76.

2-صحيح البخاري ومسلم.

3-ابن هشام (1/265) .

4-المصدر السابق (1/271) .

5-ابن هشام 1/299.

6-ابن هشام 1/416.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت