فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 9994

وعدم الإيمان بالمعجزات مؤذن بالعقوبة العاجلة والعقوبة الأخروية. قال الله سبحانه وتعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مائدة مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ} (سورة المائدة: 112- 115) . وهذا وبما أن دلائل النبوة أكبر برهان على صدق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع ما أكرمه به ربه من مكارم الأخلاق فقد ضاقت صدور أقوام بالآيات والبينات، والدلائل الواضحات كما حكى الله عنهم بقوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} (سورة القمر: 1- 3) .

لقد علمنا أن الله تعالى يرسل أنبياءه ورسله كي يرشدوا الناس إلى ربهم وخالقهم. وأنه سبحانه وتعالى يؤيدهم بالبينات والآيات والمعجزات ما يدل على صدق ما جاءوا به من عند الله.

وقد جاء الرسل والأنبياء عليهم السلام بمعجزات حسية كثيرة ومتنوعة وتسمى دلائل النبوة وأشار إليها القرآن على أنها آية وبينة وبرهان. وكان القصد من هذه الدلائل تحدي قدرات الناس الذين كانوا يعيشون في زمن معين ومكان معين فيما برعوا ونبغوا فيه ليعلموا أن ما جاء به الرسل هو الحق من عند الله عز وجل، وليثبت الإيمان في قلوب الناس. والمعجزة تكون في عصرهم مما يلائم مستواهم الفكري ورقيهم الحضاري لتكون الحجة أقوى فمثلًا:-

أ - الأنبياء الذين عاشوا في البلاد العربية كانت معجزاتهم مناسبة لبيئة العرب الصحراوية، فمعجزة صالح عليه السلام كانت ناقة غريبة المنشأ والمولد بين نوق أهل البادية: {قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (سورة الشعراءك 153- 156) .

ب - وكان السحر منتشرًا بين المصريين عامتهم وخاصتهم و استرهبهم فرعون وجنوده به، فجاءت معجزات موسى عليه السلام من جنس المشهور بين قومه فمن معجزاته الرئيسية: العصا: (( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) )، واليد: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } (سورة النمل: 12) .

وهكذا كل نبي من الأنبياء تأتي المعجزة مناسبة لقومه ولفكرهم ورقيهم الحضاري. وقبل بعثة خاتم النبيين

بلغت الفصاحة و البلاغة وفنون القول مبلغًا عظيمًا وأخذت الكلمة مكانًا في نفوس العرب من التقديس

والتعظيم لم يبلغه شيء آخر، مما حدا بهم أن يعلقوا المعلقات السبع في جوف الكعبة، وكانت القصيدة تفعل فعلها في القبائل وربما نزلت منزلة قبيلة إلى الحضيض لأن شاعرًا أقذع في هجائها. وربما ارتفعت مكانتها لأن شاعرًا قد أجاد في تمجيد مآثرها. فكانت معجزة خاتم النبيين في الكلمة والقول.

والحكمة الإلهية في اختيار المعجزة من جنس ما اشتهر بين القوم هي أن الإنسان إذا أوتي من قبل ما يعتبره مفخرته ومجال إجادته واعتزازه تكون الحجة عليه أقوى، والمعجزة أكثر فعلًا وأثرًا. ولكي تكون معجزة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم أشد لمعانًا وأسطع برهانًا، فقد جعل الله معجزته كتابًا معجزًا، وهو الإنسان الأمي الذي لم يخط بيده كتابًا ولم يتلق من أحد من البشر معرفة.3

طريقة القرآن في إثبات النبوة:

الطريقة القرآنية في إثبات النبوة هي إيراد أدلة كثيرة تتكاتف لتؤدي إلى اليقين، فالقرآن الكريم تحدٍ للعرب والعجم والإنس والجن أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (سورة البقرة: 23) . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أربعين عامًا، فلم يحدثهم بنبوة ولا رسالة فهذا الأمر يخضع لمشيئة الله فقط: {قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (سورة يونس: 16) . فلم الشك في أمره مع أنه قد تجرد عن كل مطمع دنيوي: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (سورة سبأ: 47) . ولم الشك في أمره وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا يمكن أن يستمد من كتاب: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (سورة العنكبوت: 48) .

ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدقه كثيرة جدًا منها ما هو حسي، كانشقاق القمر، ونبع الماء بين أصابعه، وتكثير الطعام، وخطابه الأشجار والأحجار والحيوان وانقيادها له صلى الله عليه وسلم، وإخباره عن أمور غيبية فوقعت كما أخبر، ومن دلائل النبوة الحسي خاتم النبوة، وحنين الجذع ورميه بكف من حصى في وجوه الكفار، وإخبار الذراع وكثير من المعجزات والدلائل الحسية.

وقد يقول قائل: إن عصا موسى أو ناقة صالح، أو هذه الدلائل لنبينا لم نرها في هذا القرن الحادي والعشرين فنريد علامة حاضرة حية تبقى إلى قيام الساعة.

فنقول: هذه العلامة الحية الحاضرة المستمرة إلى قيام الساعة هي القرآن الكريم كلام الله تعالى المعجز. فهو معجز في فصاحته، فلم يستطع العرب على فصاحتهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله. وهو معجز في نظمه، وهو معجز في عدم تبدليه و تغييره أو تحريفه أو زيادته ونقصانه؛ لأنه من عند الله (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا ) ) .

قال ابن عقيل: حفظ جميعه، وآياته وسوره التي لا يدخل عليها تبديل من حيث عجز الخلائق عن مثلها فكان القرآن حافظ نفسه من حيث عجز الخلائق عن مثله...

قال أيضًا: إذا أردت أن تعلم أن القرآن ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر إلى كلامه كيف هو إلى القرآن...

قال وأيضًا: ومن إعجاز القرآن أنه لا يمكن لأحد أن يستخرج منه آية قد أخذ معناها من كلام قد سبق، فإنه ما زال الناس يكشف بعضهم عن بعض فيقال: المتنبي أخذ من البحتري .

وقال: وقد استخرجت معنيين عجيبين: أحدهما: أن معجزات الأنبياء ليست كمعجزة نبينا، فلو قال ملحد اليوم: أي دليل على صدق محمد وموسى؟ فقيل له: محمد شق له القمر، وموسى شق له البحر لقال: هذا محال... فجعل الله سبحانه هذا القرآن معجزًا لمحمد صلى الله عليه وسلم يبقى أبدًا.. ليظهر دليل صدقه بعد وفاته وجعله دليلًا على صدق الأنبياء، إذ هو مصدق لهم ومخبر عن حالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت