قال النووي:"هذا الحديث مما عدّه جماعة من العلماء مشكِلا من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدّق الذي ليس فيه شك... فإن إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كلّه، وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار: إن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلّق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حقّ من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلّدين في الدرك الأسفل من النار."
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( كان منافقا خالصا ) )معناه: شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال. قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، فأما من يندر ذلك منه فليس داخلا فيه، وهذا هو المختار في معنى الحديث"."
42-تأخير الصلاة عن وقتها:
عن العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا العصر، فقمنا فصلينا، فلمّا انصرفنا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا ) ).
قال ابن القيم:"يؤخّرون الصلاة عن وقتها الأوّل إلى شرق الموتى، فالصبح عند طلوع الشمس، والعصر عند الغروب، وينقرونها نقرَ الغراب إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب، ويلتفتون فيها التفات الثعلب إذ يتيقّن أنّه مطرود مطلوب".
43-التخلف عن الصلاة في جماعة المسلمين:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سننَ الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحطّ عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) .
قال الشُّمُنِّي:"ليس المراد بالمنافق ها هنا من يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وإلا لكانت الجماعة فريضة؛ لأن من يبطن الكفر كافر، ولكان آخر الكلام مناقضًا لأوله".
44-البذاء والبيان:
عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الحياء والعِيّ شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق ) ).
قال الترمذي:"والعِيّ قلّة الكلام، والبذاء هو الفحش في الكلام، والبيان هو كثرة الكلام، مثل هؤلاء الخطباء الذين يخطبون فيوسّعون في الكلام، ويتفصّحون فيه، من مدح الناس فيما لا يُرضي الله".
قال المناوي:"والعِي أي: سكون اللسان تحرّزا عن الوقوع في البهتان لا عيّ القلب ولا عيّ العمل ولا عيّ اللسان لخلل. (( شعبتان من شعب الإيمان ) )أي: أثران من آثاره، بمعنى أن المؤمن يحمله الإيمان على الحياء، فيترك القبائح حياء من الله، ويمنعه من الاجتراء على الكلام شفقا من عثر اللسان والوقيعة في البهتان. والبذاء هو ضدّ الحياء وقيل: فحش الكلام والبيان، أي: فصاحة اللسان، والمراد به هنا ما يكون فيه إثم من الفصاحة كهجو أو مدح بغير حقّ. شعبتان من النفاق بمعنى أنهما خصلتان منشؤهما النفاق، والبيان المذكور هو التعمّق في النطق والتفاصح وإظهار التقدّم فيه على الغير تيها وعجبا كما تقرر. قال القاضي: لما كان الإيمان باعثا على الحياء والتحفظ في الكلام والاحتياط فيه عدّ من الإيمان، وما يخالفهما من النفاق، وعليه فالمراد بالعيّ ما يكون بسبب التأمل في المقال والتحرز عن الوبال لا لخلل في اللسان، والبيان ما يكون بسببه الاجتراء وعدم المبالاة بالطغيان والتحرز عن الزور والبهتان. وقال الطيبي: إنما قوبل العي في الكلام مطلقا بالبيان الذي هو التعمق في النطق والتفاصح وإظهار التقدم فيه على الناس مبالغة لذم البيان وأن هذه مضرة بالإيمان مضرّةَ ذلك البيان".