فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 9994

وقال حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس- رضي الله عنه- كما في البخاري موقوفًا:- لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى.

وقال الشيخ حمود التو يجري: النوع العشرون: ومن التشبه بأعداء الله - تعالى - ما ابتلي به كثير من المسلمين قديمًا وحديثًا من تشييد المساجد وزخرفتها، والتباهي بها قديمًا وتشيد الماضين وزخرفتهم ومباهاتهم لا شيء بالنسبة إلى تشييد أهل زماننا وزخرفتهم بعضهم بعضًا، وهذا من أشراط الساعة5.

الدليل الخامس: أن الزخرفة تؤدي إلى مفاسد كثيرة، منها إفساد الخشوع على الناس في صلاتهم، وقد كان النبي من أحرص الناس على الخشوع في الصلاة، فلقد دخل ذات يوم بيتًا، فرأى فيه قرني الكبش، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن طلحة فقال له:"إني كنت رأيت قرني الكبش حيث دخلت، فنسيت أن آمرك أن تخمرها، فخمرها، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي"رواه أحمد.

قال الشوكاني: والحديث يدل على كراهة تزيين المحاريب وغيرها مما يستقبله المصلي بنقش أو تصوير أو غيرهما مما يلهي، وعلى أن تخمير التصاوير مزيل لكراهة الصلاة في المكان الذي هي فيه لارتفاع العلة، وهي اشتغال القلب المصلي بالنظر إليه6.

هذا إذا كان في البيت، والذي لا يشرع فيه إلا صلاة النافلة، وأهل البيت الذين عددهم قليل جدًا، فكيف بالمساجد التي يصلى فيها الصلوات الخمس المفروضة، وعدد المصلين فيها بالمئات، بل بعضها يكون عدد المصلين بالآف، والذي يعد الخشوع فيها ركن من أركان الصلاة، ؟ لا شك أن الأمر أشد من ذلك وأخطر.

ومما يؤيد أن الزخارف والنقوش تلهي المصلي في صلاته، ما رواه البخاري عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لها:"أميطي قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي"وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بـ: باب إذا صلّى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته وما ينهى عن ذلك."

وما رواه - أيضًا - البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله عنها- في الخميصة التي كان لها أعلام فنظر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي فلما انصرف، قال صلى الله عليه وسلم:"اذهبوا بخميصتي - والخميصة كساء مربع له أعلام- هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي".

فكيف بالمسجد الذي بداخله أنواع النقوشات والألوان والساعات المتحركة، والرسوم المختلفة؟ فما حال صلاة من يصلي فيه؟ وماذا يقال فيمن فعل ذلك؟!!

الدليل السادس: أن الزخرفة مظهر من مظاهر السرف وإضاعة المال، وقد حذرنا الله من ذلك فقال: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} . وفي البخاري ومسلم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"إن الله حرم ثلاثًا، ونهى عن ثلاث، حرم عقوق الوالدين، ووأد البنات، ومنعًا وهات، ونهى عن ثلاث عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".

وعن أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن عمله ما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه) رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (7300) ."

واجب العلماء وولاة الأمر حيال هذه البدعة:

إن الواجب على العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبيان للناس البدع التي عمت وطمت كثير من المساجد، ومنها هذه البدعة التي سبقت أدلتها، ولما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"فعلى العلماء البيان باللسان، وعلى ولاة الأمر التغير باليدان،كما كان محمد - عليه الصلاة والسلام - فقد رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها بيده الشريفة، وقد علق الحافظ ابن حجر على حديث النخامة في المسجد وحك النبي لها، بقوله: وفي هذا الحديث من الفوائد تفقد الإمام أحوال المساجد وتعظيمها وصيانتها، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا دل على عظيم تواضعه زاد ه الله تشريفًا وتعظيمًا 7.

وقال العلامة ابن الحاج: وينبغي له - أي لولي الأمر- أن يغير ما أحدثوه - أهل البدع والأهواء- من الزخرفة في المحراب وغيره، فإن ذلك من البدع، وهو من أشراط الساعة8.

ولما رأى عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - ابنًا له كتب في الحائط - أي المسجد- بسم الله الرحمن الرحيم ضربه.

فكيف لو رأى عمر بن عبد العزيز مساجد المسلمين اليوم وما فيها من الكتابات والنقوش والرسوم، والساعات المتحركة الضخمة والتي ينبعث منها تلك الرنات المحرمة في خارج المسجد، فضلًا عن داخله، فما عساه أن يقول؟ وما عساه أن يفعل؟!!

اللهم! أصلحنا وصلح بنا وجعلنا ومساجدنا قائمين على السنة.

اللهم! ثبت قلوبنا على الإيمان واليقين، واهدنا سبل السلام، واصرف عنا البدع وأهلها،إنك جواد كريم!.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

1-انظر فتح الباري (1/540) .

2-المجموع شرح المهذب (181) .

3-سبل السلام 1/265.

4 -عود المعبود (2/118)

5-الإيضاح والتبين ص73.

6-نيل الأوطار 2/321.

7-فتح الباري 1/514.

8-المدخل 2/214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت