فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
والورع كما تقدم إذاً عما هو محرم وعن كل شبهة وعن بعض الحلال الذي يُخشى إذا أخذ منه أن يقع في الحرام وإذا أراد خاتمة الورع وأعلى درجة فيه فالورع عن كل ما ليس لله تعالى وبالتالي لو أن الإنسان أخذ من المباح بنية صالح ( أكل بنية التقوِّي،نام بنية الاستيقاظ لقيام الليل، تزوج بنية النفقة على الزوجة وكسب الولد وإعفاف النفس وتكثير المسلمينالخ..) تنقلب مباحاته إلى طاعات وعبادات وفي هذه الحالة لا يسوغ له التورّع عنها ، لكن تتورع عن مباح قد يؤدي إلى حرام أو يشغل قلبك عن الله والدار الآخرة..؛ الورع في هذه الحالة سائغ.
والورع كلما أخذ به الإنسان كان أسرع جوازاً على الصراط وأخفّ ظهراً وتتفاوت في الآخرة بحسب التفاوت في درجات الورع وهو تجنب القبائح لصدق النفس وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان وكذلك البعد عن حدود الله سبحانه وتعالى وكذلك فإن الإنسان المسلم ينتبه من الاقتراب من حدود الله، لأن الاقتراب منها يوشك أن يوقعه فيها، (..تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ..) (البقرة:187) (..تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ..) (البقرة:229) والحدود يراد بها أواخر الحلال حيث نهى عن القربان، والحدود من جهة أخرى قد يراد بها أوائل الحرام ، فلا تتعدوا ما أباح الله لكم ولا تقربوا ما حرّم الله عليكم ، فالورع يخلص العبد من قربان هذه وتعدّي هذه وهو اقتحام الحدود،فمجاوزة الحد في الحلال يمكن أن يوقعه في الكبائر العظيمة.
والإنسان المسلم عليه أن يتورع في الجوانب التي قد يؤدى الولوغ فيها للمهالك سواء في النظر .. في السمع.. في الشم.. في اللسان.. في البطن .. في الفرج..في اليد.. في الرجل .. السعي..وهكذا..
والنبي صلى الله عليه وسلم قد علمنا الورع فقال: (( الإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك عنه الناس ) ) [ رواه الإمام أحمد وصححه الألباني] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنك لن تدع شيئاً لله عزوجل إلا بدّلك الله به ماهو خير لك منه ) ) [رواه أحمد وقال في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح] .
وجاء عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أربع إذا كنّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا حفظ أمانة وصدق حديث وحسن خليقة وعفّة في طُعمة ) ) [قال الهيثمي عنه في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح] .
وفي الحديث العظيم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ) )وفي رواية: (( وبينهما مشبّهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في أرضه محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد القلب كله ألا وهي القلب ) ) [ رواه البخاري ومسلم] .
وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من حُسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ) ).
نماذج عن الورع:
وحكى لنا النبي صلى الله عليه وسلم عن شخصين فيمن قبلنا تورّعا عن شيء اكتشفاه في الأرض فاشترى رجل من رجل عقار له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك مني إني اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب، وقال الذي له الأرض إنما بعتك الأرض بما فيها،فكل منهما تورع عن أخذ الذهب، فتحاكما إلى رجل عاقل فقال ألكما ولد فقال أحدهما لي غلام وقال الآخر لي جارية، قال أنكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا )) [رواه البخاري ومسلم] .
وكذلك قصة الصحابة الذين لم يشيروا إلى الصيد وهم حُرُم، فيقول أبو قتادة رضي الله عنه:"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في القاحة ومنا المحرم ومنا غير المحرم، فرأيت أصحابي يتراءون شيئاً فنظرت - وفي رواية أنهم ضحكوا ولكن لم يشيروا ولم يعينوا-فإذا حمار وحش فوقع سوطه فقالوا لا نعينك عليه بشيء إنا محرمون ، فتناولته فأخذته ثم أتيت الحمار من وراء أكمة فعقرته فأتيت به أصحابي فقال بعضهم كلوا وقال بعضهم لا تأكلوا ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو أمامنا فسألته فقال كلوه فهو حلال"، فكيف إذاً تورعوا عن الإشارة والمعاونة وعن الأكل منه.
وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتورع عن التمرة يجدها في بيته ،فأخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( كخ..كخ.. ) )ليطرحها ، ثم قال: (( أما شعرت أننا لا نأكل الصدقة ) ) [رواه البخاري ومسلم] ، وهذا فيه منع الولد أو الحفيد من أخذ التمر الذي لا يجوز له أكله مع أنه صبي صغير غير مكلّف ، وأما قصته صلى الله عليه وسلم في التمرة يجدها فقد أخرجها البخاري ومسلم أيضاً أنه قال صلى الله عليه وسلم: (( إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها ) )أي لا يأكلها مع أنه جائع.