والإشراف على الشيء الإطلاع عليه والتعرض له وقيل معنى إشراف نفس أن المسؤول يعطيه عن تكره وقيل يريد به شدة حرص السائل وإشرافه على المسألة (7) .
وقوله"لم يبارك له فيه"الضمير في له يرجع إلى الآخذ وفي فيه إلى المعطى بفتح الطاء ومعناه إذ لم يمنع نفسه المسألة ولم يصن ماء وجهه لم يبارك له فيما أخذ وأنفق (8) .
فالمكثر من الدنيا لا يقنع بما يحصل له منها بل همته جمعها وذلك لعدم الفهم عن الله-تعالى- ورسوله فإن الفتنة معها حاصلة وعدم السلامة غالبة وقد أفلح من أسلم ورزق كفافاً (9) .
قوله كالذي"يأكل ولا يشبع"أي: كمن به الجوع الكاذب وقد يسمى بجوع الكلب كلما ازداد أكلاً ازداد جوعاً؛ لأنه يأكل من سقم كلما أكل ازداد سقماً ولا يجد شبعاً ويزعم أهل الطب أن ذلك من غلبة السوداء ويسمونها الشهوة الكلبية وهي صفة لمن يأكل ولا يشبع قلت أي (العيني) الظاهر أنه من غلبة السوداء وشدتها كلما ينزل الطعام في معدته يحترق وإلا فلا يتصور أن يسع في المعدة أكثر ما يسع فيه وقد ذكر أهل الأخبار أن رجلاً من أهل البادية أكل جملاً وامرأته أكلت فصيلاً ثم أراد أن يجامعها فقالت بيني وبينك جمل وفصيل كيف يكون ذاك (10) .
قال النبي-صلى الله عليه وسلم-لحكيم بن حزام:"اليد العليا خير من اليد السفلى"اليد العليا هي يد المعطي، واليد السفلى هي يد الآخذ، فالمعطي يده خير من يد الآخذ؛ لأن المعطي فوق الآخذ، فيده هي العليا كما قال النبي-صلى الله عليه وسلم- والحديث في البخاري.
فأقسم حكيم بن حزام-رضي الله عنه-بالذي بعث النبي-صلى الله عليه وسلم-بالحق ألا يسال أحداً شيئاً، فقال:"يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا".
فتوفى الرسول-عليه الصلاة والسلام-، وتولى الخلافة أبو بكر-رضي الله عنه- فكان يعطيه العطاء فلا يقبله، ثم توفي أبو بكر، فتولى عمر فدعاه ليعطيه، فأبى، فاستشهد عمر عليه، فقال: اشهدوا أني أعطيه من بيت مال المسلمين فلا يقبله، قال ذلك-رضي الله عنه- لئلا يكون له حجة على عمر يوم القيامة بين يدي الله، وليتبرأ من عهدته أمام الناس، ولكن مع ذلك أصر حكيم-رضي الله عنه-ألا يأخذ منه شيئاً حتى توفي.
وفي لفظ آخر أن الرسول-صلى الله عليه وسلم-قال:"اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول" (11) فالإنسان يبدأ بمن يعول، يعني بمن يلزمه نفقته، فالإنفاق على الأهل أفضل من الصدقة على الفقراء؛ لأن الإنفاق على الأهل صدقة وصلة وكفاف وعفاف، فكان ذلك أولى، والإنفاق على نفسك أولى من الإنفاق على غيرك، كما جاء في الحديث:"ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك (12) " (13) .
ذم المسألة:
عن ابن عمر-رضي الله عنهما- أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال:"لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم" (14) ، والمزعة بضم الميم وإسكان الزاي وبالعين المهملة: القطعة.
وعن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر" (15) .
وعن سمرة بن جندب -رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"إن المسألة كدُّ يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمر لا بد منه" (16) .و"الكد"الخدش ونحوه.
وقال عليه الصلاة والسلام:"والذي نفسي بيده إن كنت لحالفاً عليهن لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر (17) ."
وعن ابن عمر-رضي الله عنه: أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة:"اليد العليا خير من اليد السفلى والعليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة" (18) .
فقوله-صلى الله عليه وسلم- والذي نفسي بيده فيه القسم على الشيء المقطوع بصدقه لتأكيده في نفس السامع, وفيه الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولو أمتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك, ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال, ومن ذل الرد إذا لم يعط, ولما يدخل على المسؤل من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل.
فوائد من الحديث:
1-الحث على العطاء بسخاوة وعدم البخل والشح، ولا سيما إذا كان في العطاء تألف القلوب.
2-الحرص على المال لغير حاجة علة تحمله مسؤولية من غير فائدة، كمن به سقم الجوع يأكل ولا يفيده الأكل شبعاً.
3-أخذ المال وجمعه بطرق مشروعة لا يتعارض مع الزهد في الدنيا؛ لأن الزهد سخاوة النفس وعدم تعلق القلب بالمال.
4-التنفير من مسألة الناس ولا سيما لغير حاجة.
5-الحرص على أن يكون المرء معطياً لا سائلاً آخذاً.
6-فضيلة حكيم وغيره من أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، ومدى التزامهم العهد مع الله عزوجل ورسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
7-واجب الحاكم في إيصال الحقوق لأصحابها.