فهرس الكتاب

الصفحة 4164 من 9994

أما والله لو التقى الأشخاص مع الإيمان لقاءً حقيقيًا لا شعارًا، لقاءً عميقًا في تشبث واعتزاز، لكان ما كان مما قد سمعتموه، لذة لا يعدلها لذة، وحلاوة لا ينعم من لم يذقها، كيف؟ إنه الإيمان، بلسم الحياة، وأس الفضائل ولجام الرذائل، وقوام الضمائر، وسند العزم في الشداد، وبلسم العبر عند المصائب، وعماد الرضا والقناعة بالحظوط، ونور الأمل في الصدور وسكن النفوس، وعزاء القلوب إذا أوحشتها الخطوب، والعروة الوثقى عند حلول الموت بسكراته العظمي.

المؤمن في كل أحواله وأعماله الصالحة، مثل أم موسى -عليه السلام-، ترضع ولدها وتطفئ بذلك ظمأ نفسها وشغف قلبها، وتأخذ على ذلك أجرًا، فكذلك المؤمن يسعد بإيمانه في الدنيا وبثواب إيمانه في الآخرة، وذلك فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

فهل زلزلت أنفس جامدات *** فهبت لتغسل أوحالها .

الفرد بغير إيمان، ريشة في مهب الريح، لا تستقر على حال ولا تسكن إلى قرار، الفرد بلا إيمان ليس له امتداد ولا جذور، لا يعرف حقيقة نفسه ولا سر وجوده، لا يدرى من ألبسه ثوب الحياة؟ ولماذا ألبسه إياه؟ ولماذا ينتزعه منه بعد حين؟

النفس بلا إيمان مضطربة، حائرة، متبرمة، قلقة، تائهة، خائفة كسفينة تتقاذفها الريح في ثبج البحر وأمواجه، الفرد بلا إيمان حيوان شَرِهٌ فاتك لا تُحدُّ شراهته، ولا تُقلَّم أظفاره، سئم حديده، فعجم عوده، وحطَّم قيوده، وأصغر الحشرات وأشرس الضواري -كما يقول صاحب قصة الإيمان-.

البهائم تجوع كما نجوع، لكنها في سلامة من همِّ الرزق وخوف الفقر وكرب الحاجة وذل السؤال.

البهائم تلد كما نلد، وتفقد أولادها كما نفقد، لكنها في راحة من هلع المَثْكَلة وجزع الميتمة، وهمِّ اليتامى والمستضعفين والمضطهدين والمظلومين. البهائم تتلذذ كما نتلذذ، وتَأْلَم كما نأْلَم، لكنها في راحة مما يأكل القلوب ويُقرِّح الجفون، ويقض المضاجع، ويقطع الأرحام، ويفرق الشَّمل، ويخرب البيوت من مهلكات كالحسد والكذب والنميمة والفرية والقذف والخيانة والنفاق والعقوق ونكران الجميل.

البهائم تُعرف بنوع من الإدراك أعطاها الله إياه ما يضرها وما ينفعها لكنها في سلامة من أعباء التكاليف، وثقل الأوزار، ومضض الشك، وعذاب الضمير، وهمِّ السؤال بين يدي الحكيم الخبير.

البهائم تمرض كما نمرض، وتموت كما نموت، لكنها في راحة من التفكير في عقبى المرض، وفراق الأحباب بعد الممات، وسكرات الموت ومصير ما وراء القبور من حشرٍ ونشور.

يبقى هذا الإنسان الضعيف الهلوع الجزوع، المطماع المختال الفخور المتكبر المترف، شقيًا تعيسًا، سيئ الحظ، عظيم البلاء، منحط الرُّتبة، بائس المصير حين يكون تفكيره بلا إيمان، ولا غرابة

فمن يزرع الريح في أرضه *** فلا بد أن يحصد الزوبعة .

ولا والله -الذي لا إله إلا هو- إنه لا علاج لشقائه إلا بالإيمان، يقويه، يعزِّيه، يسلِّيه، يمنِّيه، يرضيه، يُحْييه حياة طيبة على الحقيقة، يعلو يقينه، ينفسح صدره، تعظم سعادته، وحين يفقد ذلك يشقى، يضيق عليه صدره، يأسى، يحزن، يكتئب؛ فيتداوى بالداء، يلجأ إلى المخدرات والانتحار، ظنًا منه أنه يتخلص من الشقاء، وإنما هو في الحقيقية يتغلب من شقاء الدنيا إن لم يعفُ الله عنه إلى شقاء الآخرة، ومن عذاب الدنيا إلى عذاب الآخرة، إن لم يتداركه ربه برحمة منه وَمَنٍّ، نسأل الله العافية.

اسمع معي عبد الله، لهذا الشاب التائب كما أورد ذلك صاحب طريق السعادة بتصرف، قال الشاب التائب:

مرَّ عشرون عامًا من عمري وأنا في ظلام دامس، أتخبط خبط عشواء، لا أحس للدنيا طعمًا، مالي كثير، أخلائي كثير، في نفسي جوعة، في صدري ضيق، ماذا يشبع تلك الجوعة؟ ماذا يشرح ذلك الضيق؟ معازف لم تشرح صدري بل معها الجوعة ازدادت، والضيق ازداد، بَدَّلت أخلائي،، بدّلت أفلامي، سافرت عدت، سهرت كثيرًا، شربت كثيرًا، لهوت كثيرًا، تعبت، الجوعة تزداد والضيق كذلك (حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) أحسست كأني مسجون في دنياي، وأن الأرض برحابتها لا تسعني، فكرت طويلا وطويلا، وأخيرًا ظهر الحل الآن أشعر بالراحة -كما أزعم حينها-، أخذت سكينًا وقلت: هذه سكيني بيدي تلمع باسمة راضية عن هذا الحل، الناس هجوع، الأهل نيام، السكون عام، أقول -في نفسي-: لم يبق سوى لحظات وأعيش ساعات الراحة كما أزعم، وفي تلك اللحظات سكيني في يدي تقترب من قلبي الميت، أريد أن أنتحر، أريد أن أتخلص من هذا الشقاء، وإذا بصوت يشق عنان السماء، يقطع الصمت، يدوي في الكون، ترتج به المدينة.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ……

نداء صلاة الفجر، ويْحها من قلوبٍ لا تجيبه ما أتعسها! ما أشقاها!، سقطت السكين من يدي عند سماع الصوت، وسرى في جسدي ما قد سرى، تحرك قلبي الميت على ذلك الصوت، استيقظت بعد طول سبات، ويح نفسي ماذا جدّ ؟ أغريب هذا الصوت؟ عشرون خريفًا تسمعه، أما أحسست معناه إلا الآن ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت