فهرس الكتاب

الصفحة 4266 من 9994

أيها الأخ المصاب: انظر في حال الأنبياء وهم أرفع درجة من غيرهم إلا أن الله-سبحانه وتعالى-ابتلاهم بأنواع الابتلاءات لكي يختبرهم, ويمتحنهم, ولكنهم عباد الله الذين اصطفاهم كانوا أصبر الناس على البلوى قال ابن الجوزي-رحمه الله-يصف ابتلاءات الأنبياء حيث قال:"ولولا أن الدنيا دار ابتلاء لم تعتور فيها الأمراض والأكدار، ولم يضق العيش فيها على الأنبياء والأخيار، فآدم يعاني المحن إلى أن خرج من الدنيا، ونوح بكى ثلاثمائة عام، وإبراهيم يكابد النار وذبح الولد، ويعقوب بكى حتى ذهب بصره، وموسى يقاسي فرعون, ويلقى من قومه المحن، وعيسى بن مريم لا مأوى له إلا البراري في العيش الضنك، ومحمد-صلى الله عليه وعليهم أجمعين- يصابر الفقر، وقتل عمه حمزة وهو أحب أقاربه إليه، ونفور قومه عنه، وغير هؤلاء من الأنبياء والأولياء، ولو خلقت الدنيا للذة لم يكن حظ للمؤمن منها (6) ."

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) (7) .

طُبِعَتْ عَلَى كَدْرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا صَفْواً مِنَ الأَقْذاءِ وَالأَكْدَارِ

وعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-قال: قلت يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء) قلت: ثم من؟ قال: (الصالحون إن كان أحدهم ليُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحتويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء) (8) .فما عليك أيها المصاب إلا أن تتأسى بأنبياء الله، فتصبر على ما أصابك، وتحتسب الأجر من الله-عزوجل-.

أيها المصاب الكريم: اعلم أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها، وهو في الحقيقة يزيد في مصيبته، بل يعلم المصاب أن الجزع يشمتُ عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه، وإذا صبر واحتسب أخزى شيطانه، وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه، فهذا هو الثبات في الأمر الديني قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: (اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر) فهذا هو الكمال الأعظم، لا لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، والتسخط على المقدور (9) .

قال ابن عبد العزيز لأمٍ مات ابنها: اتق الله واحتسبيه عند الله واصبري، فقالت: مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع (10) .

أيها المسلمون عباد الله: إن الناس عن المصيبة ينقسمون إلى أربعة مراتب كل بحسب إيمانه، وصبره، ورضاه بقضاء الله وقدره فالأول

التسخط: وهو على أنواع:

الأول: أن يكون بالقلب كأن يتسخط على ربه يغتاظ مما قدره الله عليه، فهذا حرام، وقد يؤدي إلى الكفر قال- تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (الحج:11) .

الثاني: أن يكون التسخط باللسان كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، وهذا حرام.

الثالث: أن يكون التسخط بالجوارح كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور وما أشبه ذلك وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب.

المرتبة الثانية الصبر: وهو كما قال الشاعر:

والصبرُ مثل اسمه مر مذاقته *** لكن عواقبه أحلى من العسل

فيرى أن هذا الشيء ثقيل عليه لكنه يتحمله، وهو يكره وقوعه ولكن يحميه من السخط، فليس وقوعه وعدمه سواء عنده، وهذا واجب؛ لأن الله-تعالى-أمر بالصبر فقال: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (لأنفال: من الآية46) .

المرتبة الثالثة: الرضاء بأن يرضى الإنسان بالمصيبة بحيث يكون وجودها وعدمها سواء فلا يشق عليه وجودها، ولا يتحمل لها حملاً ثقيلاً، وهذه مستحبة وليست بواجبة على القول الراجح، والفرق بينها وبين المرتبة التي قبلها ظاهر؛ لأن المصيبة وعدمها سواء في الرضا عند هذا ، أما التي قبلها فالمصيبة صعبة عليه لكن صبر عليه.

المرتبة الرابعة: الشكر: وهو أعلى المراتب، وذلك بأن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها الشوكة يشاكها) (11) .

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأستغفر الله العظيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على نعمائه، والشكر له على إحسانه وتوفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت