ثم إنه حسن إتباع الشهادة بأختها وهي:"أشهد أن محمداً رسول الله"صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنها لا تقبل هذه إلا بهذه, وللإعلام بأنه-صلى الله عليه وسلم-رسول مرسل من الله عز وجل.
فالتكبير لإيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة, والشهادة لله-سبحانه وتعالى-بالإلهية لإدراك التبري من الإشراك، والشهادة لمحمد-صلى الله عليه وسلم-بالرسالة للإقرار بما جاء به المختار من الملك الجبار للبراءة من النار، قال-صلى الله عليه وسلم-وقد سمع مؤذناً قال:"الله أكبر""الله أكبر"فقال-صلى الله عليه وسلم-: (على الفطرة) فقال:"أشهد أن لا إله إلا الله"فقال-صلى الله عليه وسلم-: (بريء هذا من الشرك) فقال:"أشهد أن محمداً رسول الله"قال-صلى الله عليه وسلم- (خرج من النار) . (4) وفي التذكير به-صلى الله عليه وسلم-والشهادة برسالته من الحض على اتباعه, واقتفاء آثاره, في الأقوال, والأفعال, والحركات, والسكنات, والقيام بأمره, وإجابة داعية, والإصغاء إلى مناديه, وزيادة ترغيب إلى الصلاة التي جعلت قرة عينه فيها مالا يخفى, وإظهاراً لشرفه-صلى الله عليه وسلم-وإغاضة لمن لم يقبل دعوته, ولم يعد بإجابته, وإعلاناً لدينه الذي جاء به من عند الله-سبحانه-وتذكيراً لمحبة له-صلى الله عليه وسلم-وترويحاً للمشوق إليه, ولإتباع التلذذ بذكر الله-سبحانه-بذكر حبيبه للانشراح بذكر الأحباب ولئلا يتخلى عباده عن ذكره-صلى الله عليه وسلم-وليكون ذكره مبدأ للصلاة, وختاماً فإنه كما جاء في الأذان الذي هو نداء للصلاة, ودعاء إليها الشهادة له بالرسالة, كذلك جاء في التشهد الذي هو آخر الصلاة الشهادة له-صلى الله عليه وسلم-بالرسالة بعد السلام عليه وقبل الصلاة عليه-صلى الله عليه وسلم-إشارة إلى أنه بهذه العبادة العظيمة سرا لندائه، وبهذه النعمة الجسيمة.
(حي على الصلاة) :
اعلم أنه بعد تحلي القلب عما سوى الله-سبحانه-بالعلم بأنه الأكبر والشهادة له بالإلهية وحده, وأنه الواجب أن يعبد بحق, والشهادة لرسوله-صلى الله عليه وسلم-بالرسالة الذي هو الهادي إلى الصراط المستقيم، والمعلّم لِلْخَلْقِ كل خُلُقٍ لم يبق للعبد عذر عن طاعة الله-سبحانه-، وطاعة رسوله-صلى الله عليه وسلم- فحسن حينئذ النداء للصلاة (بحي على الصلاة) أي هلُمّ وأقبل إلى الصلاة, وما أحسن إتيان هذا الأمر بالإقبال والقيام إلى الصلاة، وإذا كان الأمر عن الرب الإله المفضل المنعم الرحمن الرحيم، العفو الحليم على لسان رسوله الذي هو بالمؤمنيين رؤوف رحيم،-صلى الله عليه وسلم-فكيف يليق بعاقل أن يتساهل في امتثال هذا الأمر العظيم، أو يؤثر غيره عليه، ويتمهل في القيام إليه, ويتغافل عن الوثوب لإجابة أمره، أو يتكاسل عن النهوض لأداء واجب شكره، وهل يتثبط عن إجابة سلطان هذا الداعي، أو يقعد عن امتثال هذه الأمر الذي لا يغفل عنه واعي.
(حي على الفلاح) :
وبعد الأمر بالإقبال على الصلاة وتكراره للتأكيد شرع في ترغيبه بقوله: (حي على الفلاح) أي هلُمّ وأقبل إلى ما به الفلاح، والصلاة هي سبب الفلاح، ومفتاح باب النجاح، وبها ينال العبد ما يروم، ويبلغ ما يتمناه من الحي القيوم، والفلاح هو الفوز, والنجاة, والبقاء في الخير, والصلاة هي سببه الأعظم وأصله المعظم، ولهذا جاء في الكتاب العزيز في وصف المتقين:"الذي يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذي يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ، أولئك على هدى من ربهم وألئك هم المفلحون"وقال تعالى"قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون"وسماها النبي- صلى الله عليه وسلم-فلاحاً فقال النبي-صلى الله علي وسلم-: (الجفاء كل الجفاء, والكفر, والنفاق من سمع منادي الله-تعالى-ينادي بالصلاة ويدعو إلى الفلاح فلا يجيبه) . (5)
وفي قوله: (حي على الفلاح) بعد الأمر بالصلاة من الترغيب إليها ما لا يخفى حسنه كأنه يقول هلم إلى ما به الفوز والنجاة في الدنيا والأخرى، وكثيراً ما يأتي بعد الأمر الترغيب, وبعد النهي الترهيب بحسب ما تقتضيه المقام.
أخرج مسلم عن عمر-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله وسلم-أنه قال: (إذا قال المؤذن:"الله أكبر"فقال أحدكم:"الله أكبر", ثم قال:"أشهد أن لا إله إلا الله"قال:"أشهد أن لا إله إلا الله", ثم قال:"أشهد أن محمداً رسول الله"قال:"أشهد أن محمداً رسول الله", ثم قال:"حي على الصلاة"قال:"لا حول ولا قوة إلا بالله", ثم قال:"حي على الفلاح"قال:"لا حول ولا قوة إلا بالله", ثم قال:"الله أكبر""الله أكبر"قال:"الله أكبر""الله أكبر"ثم قال:"لا إله إلا الله"قال:"لا إله إلا الله"من قلبه دخل الجنة"(6) ."