فإذا برق البصر أي تقلّب بسرعة، والتفت يمينًا وشمالاً، لا يستطيعُ أن يثبت من شدّة الأهوال، كما قال تعالى: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (42) مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء [إبراهيم: 42، 43] ، وقال تعالى: واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين [الأنبياء: 97] ، وقوله تعالى: وخسف القمر أي: ذهبَ نوره، وجمع الشمس والقمر ؟ فيجاب: كلا لا وزر لا ملجأ ولا
مفرّ، إلى ربك يومئذ المستقر أي المرجع والمصير، ولقد أخبر اللَّه عباده أن لا ملجأ ولا منجى لهم من اللَّه إلا إلى اللَّه، فقال تعالى: استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير [الشورى: 47] ، وقال تعالى: ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين [الذاريات: 50، 51] . وقوله تعالى: ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر بما قدّم بين يديه في حياته قبل مماته، وبما أخر بعد مماته، كما قال تعالى: إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين [يس: 12] ، فالمراد بآثارهم هنا: (ما أخّر) في سورة القيامة، والمراد أنّ الإنسان يتركُ أثرًا في الناس، خيرًا كان أو شرًا، فإذا مات أتاه ما يستحق على آثاره من ثواب وعقاب، كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سنّ في الإسلام سنّةً حسنةً فله أجرُها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سنّ في الإسلام سنّةً سيئةً كان عليه وزرها ووزْرُ مَنْ عمل بها مِنْ بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» . ومعنى هذا أنه لا يضيع من عمل العاملِ شيء، بل كل عمل عمله فهو مُحصً له، كما قال تعالى: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء [آل عمران: 30] .
وقال تعالى: ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا، وكما قال تعالى في الحديث القدسيّ: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللَّه، ومَنْ وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه» .وقوله تعالى: بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره يعني أنه شاهدٌ على نفسه، عالمٌ بما فَعَلَه، ولو اعتذر وأنكر، عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه قال: ضَحِكَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم أو تبسم، فقال صلى الله عليه وسلم: «ألا تسألوني عن أيٍّ شيء ضحكتُ ؟» . قالوا: يا رسول اللَّه، مِنْ أيِّ شيءٍ ضحكت ؟ قال صلى الله عليه وسلم: «عجبتُ من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: أي ربّ، أليس وعَدْتَني أن لا تَظْلِمَني ؟ قال: بلى. فيقول: فإني لا أقبلُ عليّ شاهدًا إلا مِنْ نفسي، فيقولُ اللَّه تبارك وتعالى: أَوَلَيْسَ كفى بي شهيدًا وبالملائكة الكرامِ الكاتبين ؟ قال: ويردد هذا الكلام مرارًا، قال: فيختم على فيه وتتكلم أركانه
بما كان يعمل. فيقول: بعدًا لكنّ وسُحقًا، عنكنّ كنتُ أجادل».
قال تعالى: ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين [فصلت: 10- 23] .
وحينئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا [النساء:42] ، والشاهد أنه كان يجادل عن نفسه ويناضل عنها وهو يعلمُ حقيقة أمرها، حتى إذا شهدت عليه جوارحه أقرّ واعترف، وصدق اللَّه: بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره.وللحديث بقية بإذن اللَّه تعالى.